...كانوا قد أعلنوا حظر التجوال
...وكانت الغارة قادمة لا محالة أصوات القنابل والمدافع صارت تصويرية زرت اليوم مستشفى ...للمصابين تأوهات الجرحى أشبه بغناء حزين على آلة موسيقية ذات وتر واحد ... تلك
التأوهات الماجنة .... حسبت أنني سأصاب بالجنون لا محالة ما الذي يمنعني من
 ...المضي قدماً وتجاوز ذلك الحد الرفيع الواهي ... ما بين العقل واللاعقل
 ...الأمر كله لا يعدو كونه دعابة سمجة
 ...السخف غلاف لكل ما حولك ... وعنوان مناسب لكل ما يدور لك وخلالك
 ...تسللت كفأر يائس لجحرى الذي اسكن فيه
...شقة من غرفة واحدة أقطنها وحدي أؤنسني وأأتنس بي
 ...أذكر طفلا صغيراً قابلته اليوم
بتروا طرفين من أطرافه ... نشيجه يمزق نياط القلب المتحجر ... لم يكن
 ...يتألم ... فقط يسأل عن والديه ... سؤال غريب
لم يكن مسموحاً لنا بإضاءة النور ... فتنقلت ببطء شديد ... بين هلاهل
...وصناديق خشبية أتخذها عوضاً للأثاث  ...ما الفارق بين أن تجلس على صندوق خشبي
 ...علما بأنك في النهاية ستنام داخل واحد مثله
 ...وبين كنبة وثيرة فخمة متخمة
 ...ما دمت ستجلس
 !!!وحدك

رائحة ضيقة تعبق المكان وتجعله مميزاً .. كأنه قبو في قصر مهجور ... إذ ما
طل عليه القمر بدراً سمعت منه عواءاً كعواء الذئاب ... وإذ فجأة ينطلق ذلك
...المسخ المذءوب ليقتنص فريسة جديدة  ...الحياة مع بعض من الخيال شيء طريف
ذلك الشاب الظريف الذي تزوج من شهر واحد لا غير وأتت عروسه ملهوفة تبحث
 ...عنه
 ...هل وجدته ... لا أذكر
 ...ترى أكان هو من أصابته تلك الشظية ففقأت عينيه
أم الآخر الذي أصابته في عنقه فأصابته بشلل كلي ... أم ترى لم تجده ...أصلاً
خلعت قميصي وعلقته على الحائط ... الظلال تصنع شخوصاً وأشباحاً أتوهمها تعيش
معي فأتحدث معها أحيانا وتحدثني هي أحياناً أخرى ... أضيء شمعة ... هي
...الوحيدة ... تبدأ الظلال تتراقص على وقع من موسيقى المعركة 
 ..اليوم – ربما – سيغتالونك فترتاح
 ...أو – والعياذ بالله – يتركونك فلا تنام

....لو سمع أحدهم صوتك فأنت هالك لا محالة  ...لو رأى أحدهم خيالك فلتتلو صلاتك لأخيرة
 ...قد تصير الحياة أحياناً قاسية للغاية
 ....لا رحمة ...... لا شفقة
 ...أنا لست خائفاً
 ...لست خائفاً أبداً
 ...فقط معترض وأتمنى دوماً لو أموت
 ...خلعت حذائي ... ووضعته برفق تحت الكرسي
 ...على أطراف أناملي كأني أحسب الأرض زهرة رقيقة وقفت
 ...على الحائط أمامي ... كانت مرآة كبيرة بحجم شخص بالغ
 ...وقفت أمامها ... كانت عيناي قد بدأتا تعتادان الظلام
 ...فلمحت ما ظننته أنا
 ...في خفة بدأت اتحرك أمام المرآة
أمسكت بفرشاة شعر .. سرحت شعري ... ساويت شاربي ...ونظمت نسق ...حواجبي
 ...أو هكذا ظننت أنني فعلت
 ...في تؤدة أغلقت عيناي وبدأت أدور حول نفسي
 ...فردت زراعي كأني فراشة تحلق

 ...أدور...... أدور .... في بطء شديد

 ...يالها من لذة ... لذة الدوران
الانفعال تمكن مني ... فتسارعت لفاتي ... وعلت البسمة وجهي ...أفلتت مني
قهقهة بسيطة ولكنني سرعان ما تداركت الأمر .. فاستأنفت الدوران بلا ...صوت

 ...إلي أن

 ...فجأة دوى صوت شديد

...لقد سقطت شماعة الملابس ... لابد أنها اصطدمت بذراعي ... في لحظة واحدة توقفت ... وارتميت أرضاً ... أخذت ألهث في جنون ...انفتحت عيناي عن
أخرهما ... فغر فاهى وتسارعت نبضات قلبي حتى لحسبته في الطريق ...لمغادرة صدري

 ...في ندم شديد خبطت رأسي بالأرض في رفق
 ...لابد أنهم سيعلمون أنني هنا
 ...لابد أنهم آتون لا محالة
 ...ظللت على وضعي هذا ما ظننته دهراً
...ثم بدأت في بطء شديد أرفع رأسي ... أتشمم الجو حولي كحيوان بدائي استندت بيدي على الأرض وبدأت أرفع جسدي حتى استويت واقفاً مرة ...أخرى
...نفضت يدي في عصبية ...لازلت جاحظاً خائفاً ألهث  ...تطلعت حولي في رعب
 ...تري من رآني ... من سمعني ...من عرف بما حدث
 ...الآن فقط بدأت أتبين وعلى ضوء الشمعة الوحيدة
 ...ضوءاً مماثلاً في الجهة الأخرى من الطريق
 ...شباك واحد
 ...أري خلفه هلاهل أثاث وخيالات ظل تتراقص
 ...وضوء شمعة وحيدة يضيء المكان
 ...لا لهاث بعدما ألهث وقلبي سيتوقف حتماً
 ...فليقتلوني ويريحوني
 ...اختبأت خلف ساتر قماش
 ...نفخت برفق في ضوء الشمعة فوأدته
 ...وبدأت المراقبة
رأيت خيالاً يماثلني في الحجم تقريباُ ... ولكنه أميل إلي الضآلة ...يتحرك
 ...حركة الخيال تتميز بالعصبية
ويمكنني أن أجزم أنه يتطلع من الشباك الواحد كل لحظة وأخرى رغم أن الظل لم
 ...يقترب منه أبداً
 ...في خوف اتجه الظل نحو حائط لمحت التماعة ضوء الشمعة فوقه كأنه مرآة
أمسك الظل ... ما يبدو أنه فرشاة وبدأ يمشط شعره الطويل الذي يبدو لامرأة
 ...ما
 ...لابد أنها وحيدة مثلي
 ...اتحهت نحو الشمعة وأضأتها ثانية
 ...التفت الظل ناحيتي
 ..في سرعة ... وضع الفرشاة جانباً
 ...اتجه نحو ساتر قماشي واختبأ خلفه
 ...رفعت الشماعة عن الأرض واسقتها ثانية
 ...كررت المحاولة
 ...أخذت صندوقاً خشبياً وألقيته جهة الحائط
 ...لاشيء
 ...توقفت وهلة استأنف اللهاث
سمعت صوت طرقات خفيفة ... ورأيت وجهاً يبرز من خلف الساتر ...القماشي
 ...لوحت بيدي في مرح ... لا إجابة
 ...اتجهت صوب الشباك ... لوحت بكلتا ذراعي
 ...على مضض وجدت يداً ملوحة
 ...مقترباً سريعا من حافة الجنون ... بدأت أبحث عن جهاز تسجيل أو راديو
 ...وحينما لم أجد ... اقتربت من الشباك أكثر فأكثر .... وبدأت أغني
 ...أجل ... أنا .... بدأت أغني

 ...وفجأة

......دقت صفارة الإنذار  ...الأبواق تنعق .... وبعد قليل ستشنق أصوات الطائرات المحلقة آذاننا

 ...كنت دوماً حين أسمع هذا الصوت اختبئ ... ابحث عن أي مكان آمن واختبئ
لا أعلم .... اليوم يبدو الصوت مختلفاً عن كل مرة ... كأنه موسيقى جديدة
 ...من نوع ما
 ...لم اختبئ ... بل لم ابتعد عن النافذة أصلاً ولم أتوقف عن الغناء
 ...اقتربت هي الأخرى
 ...بل وفتحت النافذة ... برغم الظلام ... وبرغم أن الطريق يفصل بيننا
 ...وبرغم البوم تنعق في الأفق ... حاولت أن أتبين ملامحها
 ...لم استطع
 ...هي أيضاً
                  اكتشفت أنه لا فائدة ... أنها لا تقدر على رؤيتي
 ...وتبين ملامحي
...ودون سابق إنذار هبت الطائرات 
 ...لم نحس بها ... ولكننا ... ودون ترتيب مسبق ... اتجهنا نحو أزرار الإضاءة
 ....أضأناها واتجهنا نحو النافذة
 ..... في لهفة
 

                  

                © Mohamed Naguib Abdallah 2004

 


 
 

 


 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors who bear the sole responsibility of the content of their work.

BACK TO MAIN PAGE


 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY