كان سمير سائقا للتاكسى .. عمل بهذه المهنه سنوات طويله حتى شاب شعره .. اصبح العمل بالنسبة له بعد تقدمه فى العمر وسيلة لقضاء وقت طيب اكثر منها وسيلة للرزق .. فابناؤه قد انهوا ما استطاعوا من التعليم ولم يعد بحاجة لكسب كثير من المال لينفق عليهم .. كما ان مطالبه من الحياه قد قلت كثيرا ولم يعد يتطلع سوى الى ان تمر ايامه هادئة مستقره ..

واذا كان من الممكن ان نعتبر ان سيارة التاكسى التى يعمل عليها سمير هى شريان الحياة بالنسبة له فقد كان بها جهاز قديم للراديو يمكن اعتباره الدماء التى تجرى فى هذا الشريان .. لم يكن لسمير صوت مطرب موهوب لكنه كثيرا ما ارتآى فى نفسه متذوق جيد للغناء الشرقى القديم .. ومنذ بدا عمله على سيارته هذه منذ ما يقرب من ربع قرن مضى اعتاد ان يستمع الى عمالقة الغناء و يطرب لما يترنمون به .. ولم يكن الغناء فقط هو ما يطرب سمير .. ولكن الاستماع الى صوت القرآن الكريم مرتلا خاشعا كان يطربه كثيرا .. حتى ان البعض من زبائنه الذين كان يتصادف وجودهم معه وقت تنقله بين اذاعة تذيع القرآن و اخرى تذيع الاغانى كانوا لا يخفون تعجبهم من هذا الانتقال الذى يبدو للبعض مفاجئا صادما .. ولكن سمير لم يكن يهتم كثيرا بتلك الدهشة التى يراها فى مرآته تبدو جلية فى عين راكب او  راكبه .. فهو ليس من هواة الثرثره ككثير من سائقى التاكسى .. فى الحقيقه لم يكن سمير يهتم خلال عمله سوى باشياء قليله .. منها ان يقود سيارته بحرفية تليق بسنوات عمره المديده .. و برنامجه اليومى الذى يسمعه فى الاذاعه .. حيث ان سمير كان من ذلك الجيل القديم ا..

فهو يبدا عمله فى الصباح مع بدء بث اذاعة الشرق الاوسط .. فيستمع الى القرآن عليها بصوت الشيخ محمد رفعت الذى يثير فى نفسه الشجن لسبب لا يدريه .. ثم ينتقل لاذاعة القرآن الكريم ليستمع الى صوت النقشبندى فى ابتهالاته الخالده .. ويتنهد وهو يستمع الى هموم العباد فى همسة عتاب .. و يصل الى منزله للغداء مع بداية نشرة الثانيه و النصف فى الاذاعه العامه !! وفى فترة الاصيل كان صوت ام كلثوم فى اذاعتها يمثل نسمة ترطب يومه الطويل .. فيظل يهز راسه طربا و استمتاعا بما يسمع .. حتى انه ذات مرة لم يلحظ لشدة اندماجه نظرات راكب يطل منها الاستياء بشده .. وعندما افاق سمير من نشوته و نظر للراكب متسائلا من خلال المرآه عما يسبب له هذا الضيق .. فوجئ به يطالبه ان يوقف هذا العبث الذى لن ينفعه فى آخرته !! .. فما كان منه الا ان استمع الى الراكب حتى انهى حديثه ثم رفع الصوت الراديو قليلا معلنا رده !!

لذلك لم يكن مستغربا ان ترتبط حياة سمير فى الغالب بما يسمعه فى الراديو .. فهو وان كان ليس اميا الا انه ليس قارئا للجرائد .. و يرى انها تتحدث بلغة غير لغته بينما الراديو يذيع ما يتفق مع افكاره ويفتح له آفاقا رحبه ويشعره انه جزء من هذا العالم .. فهو يستطيع ان يتحدث عن عملية السلام مثله مثل كثير من المثقفين والمتحذلقين بفضل ما يسمعه فى الاذاعه .. ولم يكن من المستغرب ايضا ان يصيب الخلل حياته اذا اعلنت الاذاعه الحداد لحدث ما .. فيشعر ان نافذة حياته قد اغلقت ويصيبه الاضطراب ..

كان سمير يعشق ما يسمعه فى جهاز الراديو القديم بسيارته .. وكان كثيرا ما يشعر بالامتنان لهذه العلبه الصغيره التى وفرت له كل هذه المتعه و السعاده .. و كثيرا ما ربت عليها برفق كانما هو يشكرها على اغنية اذيعت كان يفتقدها لفترة طويله مثلا .. او تمثيلية تعاد فتعيد له ذكريات صباه و شبابه .. حتى انه عندما عرض عليه صديقه عبد القادر -وهو ميكانيكى يقوم باصلاح التاكسى له- ان يستبدل هذا الجهازالقديم بآخر احدث رفض سمير .. وعندما شعر سمير ان عبد القادر يظن رفضه بخلا اعترف له خجلا انه يحب هذا الراديو ولا يريد له بديلا .. وانه يعلم ان به كثير من التشويش ولكنه اعتاد على هذا التشويش .. وربما فقد متعته فى الاستماع اليه لو اختفى منه التشويش !! كما انه حفظ خطوطه الباهته التى تميز مكان القنوات المختلفه التى يحبها .. وعندما علق عبد القادر ساخرا : انك تأتنس بتلك الشوشرة التى تنبعث من جهازك لم يحاول سمير ان ينفى هذه الحقيقه !! فقد اكتفى بهز راسه موافقا و ذهب الى حال سبيله ..

لذلك لم يصدق سمير نفسه حين استيقظ ذات يوم ليجد سيارته مسروقه .. لم تكن السياره قد سرقت بالكامل !! فقد اكتفى اللص وياللحظ بسرقة جهاز الراديو القديم الذى لم يعد يصنع !! ووقف سمير امام سيارته يضرب كفا بكف ويتعجب من قسوة الايام عليه !! وعندما التف حوله ابناؤه يواسوه لم يفهم اى منهم لم يشعر الاب بهذه الحسره !!  فليس هناك ما يستحق كل هذا الحزن .. حتى عندما حاول احدهم مواساته قائلا انه محظوظ ان سيارته لم تسرق و ان اللص اكتفى بالراديو القديم فوجئ بسمير يولول قائلا انه كان يود لو سرقت السياره بالكامل و لم يسرق الراديو فقط !! فلو حدث لجلس فى المنزل دون ان يشعر بلوم او تقصير او خجل .. ولكن السياره لم تسرق بل سرق الراديو !! وحتى حين حاول الجميع ان يقنعوه بشراء جهاز جديد ويستعوض الله فيما ضاع منه رفض سمير حتى يئس منه المحيطون به وتركوه وقد ظن بعضهم ان الرجل قد جن او قارب الجنون .. ولولا سنه الكبيره لظن به ضابط الشرطه نفس الظن حين ذهب للابلاغ عن سرقة الجهاز .. ووعده برفق انهم سيبلغوه اذا توصلوا للص او الى المسروقات ..

وبالفعل .. انتظر سمير بضعة ايام دون عمل .. كان يجلس فى شرفة منزله ينتظر ان ياتى احدهم ليخبره انهم وجدوا اللص و المسروقات ولكن لم يتحقق حلمه .. حتى اضطر ان يعود الى عمله متثاقلا بعد ان طالت عليه الايام بلا عمل .. كان ينظر الى التجويف الخالى الذى انتزع منه رفيق عمره ويتنهد فى حسره .. ويتساءل بينه وبين نفسه عن ذلك اللص الذى لم يجد سوى جهازه القديم ليسرقه ويطيل ايامه و يفسد متعته الباقيه ..

ومرت عدة شهور قبل ان يتلقى سمير الخبر الذى انتظره كثيرا .. فقد وصل الى منزله شرطى صغير يبلغهم بضرورة ذهابه للقسم للتعرف على ما يخصه من مسروقات بعد القبض على اللص .. واشرق وجه سمير كأنما ردت فيه الروح بعد ان غادرته !! وكان اول المتواجدين فى القسم فى ذلك اليوم لاستلام الراديو .. وبعد القيام ببعض الاجراءات فوجى بمن يسلمه علبة قديمه تخرج منها بعض الاسلاك !! وعندما استفسر عن ماهيتها علم انها جهازه او ما تبقى منه !! ولم يخرجه من صدمته و ذهوله سوى مطالبة الشرطى له بالتوقيع على استلام ما يخصه !! وخرج سمير من القسم لا يعرف ايبكى ام يضحك !! اذا كان اللص قد وجد الجهاز قديما عديم الفائده فلم خربه !! وعاد سمير الى منزله لا يدرى ما الذى يقوله لعائلته !! ولم يحاول احد منهم ان يساله ظنا منهم انه لم يجد ضالته .. بل حاول الجميع الهاءه بالحديث عن امور اخرى .. وفى تلك الليله اعلن سمير لابنائه انه قرر انه بحاجة الى الراحه من العمل بعد طول عناء !! وعلى الرغم مما اثاره هذا القرار من دهشة فى نفوس ابنائه الا ان الجميع صمتوا احتراما لقراره ..

وفى اليوم التالى بدا سمير تنفيذ قراره .. فاتخذ مجلسه فى الشرفه يشرب القهوه و يستمع الى صوت الراديو فى شقق الجيران يذيع برامجه التى اعتاد عليها .. وتنهد وهو  ينظر الى علبة الاسلاك وقال فى صوت لم يسمعه غيره : ليست هناك راحه فى هذه الدنيا !!

 


 © Mona Ma7moud  2003

 
 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors. 
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors, 
who bear the sole responsibility of the content of their work.

 
 
 


 
 

 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY