|
كان
عمري خمسة
سنوات أعيش
مع والدي
ووالدتي
وجدتي وأخوتي
الثلاثة. كنت
أصغر أخواتي
والمدلل من
جدتي وأمي
وأبي، وإن
كنت لا أحظي
بنفس الدلال
من باقي
أخواتي. كنت
أذهب إلى
الحضانة في
الصباح وأعود
بعد الظهر
لأمارس
نشاطاتي
المتنوعة من
لعب وجري
وأكل ومشاكسة.
كنت
أنتظر خروجي
من الحضانة
بفارغ الصبر
لعلمي بما
ينتظرني من
المفاجآت في
البيت. كانت
نساء أعمامي
يمررن علي
جدتي في
بيتنا كل يوم
بعد أن
يََعُدن من
مدينة
الزقازيق
التي تبعد
كيلو مترين
عن بلدتنا.
وكانوا
كالعادة
يُحضرن لجدتي
بعض مما
يشترونه من
الفاكهة أو
الخضروات
أمثال البلح
والبرتقال أو
الطماطم و
الخيار. لذلك
كان أول شيء
أفعله بعد
خروجي من
الحضانة هو
الذهاب إلى
جدتي لكي
أكون أول من
يُمنح مما
معها من
الخيرات.
كانت
جدتي تضع ما
يُعطىَ لها
تحت طرف
جلبابها
لتعطي منه من
تشاء. كان هذا
مخزنها
المفضل حيث
تستطيع
الوصول إلية
دون عناء
وتستطيع أن
تحمي
محتوياته من
أيدي
الطامعين،
وخاصة يداي
العابثتين
اللتان لا
يتركان مكان
في البيت إلا
وفتشن فيه
بحثا عن
غنيمة تكون
أخفتها أمي
عن الأعين
حتى يحين وقت
إظهارها.
في
أحد أيام
الشتاء
الدافئة
الممتلئة
بعبق زهور
حديقة
الموالح
الخاصة
بالإصلاح
الزراعي
المجاورة
لبيتنا و
بينما أنا
عائد من
الحضانة
بصحبة أختي
الكبرى، رأيت
زوجة عمي
تدخل بيتنا.
أيقنت على
الفور أن
هناك صيدا
ثميناً
ينتظرني.
أطلقت ساقي
للريح حتى
وصلت المنزل.
فتحت الباب
بسرعة وقفلته
من خلفي بعنف
ثم انطلقت
إلي حجرة
جدتي. لم أعبأ
بأمي حين
نادتني بعد
أن سمعت فتح
الباب وقفله.
دخلت على
جدتي فوجدت
زوجة عمي
جالسة
بجانبها على
ألكنبه وهما
يتحدثان.
"أنت
جيت يا أمين؟
تعالى جنبي."
بادرتني جدتي
مبتسمة حينما
رأتني.
جلست
إلى جانب
جدتي وأنا
أنظر إلى
عينيها لعلي
أستشف ما
ورائها، فمن
بريق عينيها
أستطيع أن
أستشف إن كان
معها شيء
ستمنحه لي أم
لا. وكالعادة
علمت جدتي ما
يدور بخاطري
فطمأنتني
قائلة: "اطمئن
يا أمين،
مرات عمك
جابت لك حاجة
حلوة."
لم
أكن أريد غير
هذا الاعتراف
لكي أنقض
عليها
كالحدأة.
مددت يدي إلي
المخبأ و في
لمح البصر
التقطت كيس
التين
البرشومي
الذي أحضرته
زوجة عمي
لجدتي. لكن
جدتي أصبحت
خبيرة
بألاعيبي
ومكري فخطفته
مني لعلمها
أني لو
امتلكته فلن
يشاطرنني فيه
أحد إلا بعد
توسل وإذلال.
أعطتني جدتي
واحدة،
فألقيتها في
فمي بسرعة
البرق ومددت
يدي مرة أخرى
طلباً للمزيد
فأعطني
الثانية
فمددت يدي
اليسرى
فأعطتني
الثالثة وهي
تقول: "بالراحة
يا واد،
هتِشرَق. أنت
مش معشم انك
تشبع؟"
أخرجت
جدتي تينة من
الكيس
وأعطتها
لزوجة عمي،
فردتها زوجة
عمي بإصرار
وقالت: "يا
أمه نفيسة
أنا جبت تين
لينا ولله ما
أقدر أدوقه."
ردت
جدتي: "أمسكي
يا أم صبري،
دا طباخ السم
بيدوقه."
رفضت
زوجة عمي أن
تأخذ شيئاً
وقامت وهي
تقول: "أشوفك
بعافية يامه
نفيسة، لازم
أمشي، أنا
سايبه العيال
لوحدهم."
*
* *
لم
أكن أدري سر
معيشة جدتي
معنا ولم أكن
أستطيع تفسير
هذه العلاقة
الحميمة بين
جدتي وأمي
ونساء أعمامي.
لكن تفسير
هذه العلاقات
سمعتها من
نساء أعمامي
بعد أن توفت
والدتي
بسنوات وهذا
ما أخبروني
به.
كان
أبي أكبر
إخوته الخمسة
وكان من
الطبيعي أن
يكون أول من
يتزوج منهم.
كانت أمي
بمثابة أم
أخرى لأعمامي
الذين كانوا
في سن صغير
نسبياً. كان
على أمي أن
تحظى ليس فقط
برضا زوجها
وحماها و لكن
قبل كل شيء
برضا حماتها.
كانت والدتي
تعلم بالفطرة
أن رضا
حماتها يعني
رضا الجميع
عنها، فكان
لابد من
تحقيق هذا
الهدف.
لقد
أدركت والدتي
سر سعادة
الحموات، وهي
أن تحس
الحماة أنها
مازلت تلعب
الدور
الرئيسي في
حياة ولدها
وأن تحس أن
الزوجة تراعي
مصلحة ابنها.
لذلك كانت
والدتي
تستشير جدتي
في كل صغيرة
وكبيرة وتنفذ
لها ما تريده
وكانت تحرص
على توفير
بعض النقود
من مصروف
البيت
وتعطيها لها
حتى تشتري
بها جدتي ما
تريد لتهديه
لمن تريد. لم
يمضي وقت
طويل حتى
وثقت جدتي
بأمي وسلمتها
زمام الأمور
واعتبرتها
الابنة و
الصديقة التي
تستودعها
أسرارها.
بعد
أن تزوج
أعمامي
استطاعت أمي
أن تكسب ثقة
زوجاتهم
جميعاً
وأصبحت حبيبة
إلى قلوبهم.
كانت أمي
تدرك بفطرتها
أن أكثر ما
يسعد المرآة
هو أن يهتم
الشخص
بأولادها
ويعطف عليهم.
لذلك كانت
لأمي عادة
تتبعها مع كل
الأطفال وهي:
ألا تُخرج
طفل دخل
بيتها إلا
ومعه قطعة من
الحلوى، فإن
لم تجد
فتعطيه قالب
سكر. كانت
والدتي تعمل
هذه الأشياء
بالفطرة لأن
ما كانت
تفعله كان
يسعدها هي
أيضاً.
بعد
فترة قرر
أعمامي
الانفصال في
بيوتهم
الخاصة بعد
أن كانوا
يعيشون في
بيت العائلة
الكبير عندما
كان جدي على
قيد الحياة؛
لذلك كان على
جدتي أن تحدد
مع مَن مِن
أولادها سوف
تعيش. لم يكن
القرار
صعباً؛ فأبي
هو أكبر
أبنائها
سناً، وهي
تحب أمي وتثق
بها، وزوجات
أعمامي يحبون
والدتي
أيضاً؛ هذا
بالإضافة إلى
أن والدتي هي
بمثابة أم
لأعمامي فهي
التي ربتهم
جميعاً.
باختيار بتنا
لتعيش فيه
أطمأنت جدتي
أن أعمامي
وزوجاتهم
وأولادهم
يمكنهم
زيارتها في
بيتنا بدون
أي حرج. لذلك
استمرت
عائلتنا تحب
بعضها البعض،
وأصبح بيتنا
هو بيت لجميع
أفراد
العائلة.
كنا، كأطفال،
ننام في أي
بيت من بيوت
ألأعمام التي
يصادف أن
نكون فيه
عندما يحل
الليل. أما
أمهاتنا فكن
ينمن مليء
جفونهن ولا
يبالين،
طالما أُخبرن
بمكان مبيتنا.
هذا
الحب بين
أفراد
العائلة خلق
علاقة خاصة
تمثلت في أنه
لا يستطيع أي
ابن أن
يُدِخل بيته
طعام إلا
وأكلت منه
والدته أي
جدتي. وهذا
كان سر ما
ينهال علي
جدتي يومياً
من هذه
الأشياء التي
كانت معظمها
يستقر في
بطني أو بطن
أخوتي أو
أولاد أعمامي.
كنت
أنام مع جدتي
في نفس
الحجرة. فلقد
كنت أصغر
أخوتي وكانت
جدتي تحبني
كثيراً. لذلك
أصرت جدتي أن
أنام معها
بالرغم من
كثرة رفسي
لها أثناء
النوم.
*
* *
كنت
كبقية
الأطفال ألعب
في الشارع مع
أقراني. وحيث
أن بلدتنا
بلدة صغيرة،
فجميع أهل
البلدة
أقرباء من
جهة أو من
أخرى؛ لذلك
بالنسبة لنا
كأطفال، كان
كل الرجال
أما أعمام أو
أخوال وكل
النساء أما
خالات أو
عمات. وعليها
فإنه حينما
تحتاج أحدى
جارتنا شراء
شيء من
البقال أو
تستعير شيء
من أحدى
الجارات،
تطلب من أي
طفل في
الشارع أن
يحضره لها.
كنت أقوم
بنصيبي من
هذه الخدمات،
فهي ضريبة
لابد لكل طفل
أن يدفعها.
كنت مِن مَن
يحبون أن
يقوموا بهذه
المهام، خاصة
شراء ما يؤكل
أو يشرب من
البقال مثل
الحلوى، لأنه
كان ينالني
منه نصيب.
لما
كبرت قليلاً
و ازداد
إدراكي، كنت
أحس بالخجل
من أخذ بعض ما
أشتريه لأحد
الجيران. لكن
عندما أرفض
تصر الجارة
أن تعطيني
الشيء وهي
تقول: "خد ما
تنكسفش، دا
طباخ السم
بيدوقه." عند
ذلك آخذ
الشيء وإن لم
أكن أدري ما
علاقة طباخ
السم بما
يعرض علي.
لاحظت
أيضا أنه
عندما تأتي
الخبازة
لتخبز لنا
تعطيها
والدتي بعض
الخبز فترفض
الخبازة،
فتقول والدتي
لها: "خدي
دول، دا طباخ
السم بدوقه."
كذلك حينما
يكون لدينا
ليلة مثل
ليلة مولد
النبي، حيث
نطعم الطعام
للفقراء،
فتأتي
جيراننا من
السيدات
والبنات
للمساعدة
فتقوم والدتي
بإعطائهم من
الطعام
فيرفضون بشدة
متعللين أن
هذا الطبيخ
مطبوخ لأهل
الله،
فتقنعهم
والدتي بأخذه
بقول: "خدوا
الأكل ده، دا
طباخ السم
بدوقه."
*
* *
أعجبني
طباخ السم
هذا الذي
يتذوق كل
شيء، وكنت
أتعجب كيف أن
طباخ السم
هذا يتذوق كل
هذه الحلوى
والخبز
والفاكهة
ولماذا هو
محظوظ هكذا.
كنت أحس أن
طباخ السم
هذا أسعد
إنسان في
العالم لدرجة
أني تمنيت أن
أكون طباخاً
للسم.
أذكر
أنه في يوم
كنت ألعب في
الشارع مع
بعض أقراني
فأتى أحد
الشباب من
أهل الشارع
وبدأ يلاغينا
ويسألنا بعض
الأسئلة.
سألنا: "قولوا
لي يا أولاد
لما تكبروا
هتشتغلوا إيه؟"
فقال الأول: "عايز
أبقى غفير
عشان أضرب
بالبندقية."
وأما الثاني
أجاب: " عايز
أبقي كمسري
عشان أركب
الحلزونة (الأوتوبيس)."
أما أنا
فتمنيت أن
أكون طباخ سم.
فرد الشاب
ضاحكاً: "باين
عليك هتكون
سفاح."
لم
أكن أفهم
لماذا طباخ
السم بالذات
هو الذي
يتذوق جميع
الأشياء.
أردت أن أعرف
السبب فسألت
جدتي وأنا
نائم بجانبها
في السرير: "ستي،
ليه طباخ
السم هو إلي
بدوق كل حاجة؟"
استعجبت
جدتي من
السؤال وقالت:
"طباخ سم إيه؟"
فقلت:
"أنت مش قلتي
لمرات عمي،
خدي شوية
التين دول،
دا طباخ السم
بيدوقه؟"
"
هك ... هك... هك...."
هكذا ضحكت
جدتي ضحكتها
العواجيزي
وقالت بفخر: "ما
شاء الله يا
أمين، دا أنت
واعي لكل
حاجة." ثم
أكملت بعد
برهة من
التفكير: "طباخ
السم ما
بيدقش التين
ولا الحجات
اللي إحنا
بناكلها."
فقلت:
"أمال بيدوق
إيه؟"
"
بيدوق! ... بيدوق!....
بيدوق إيه!"
حاولت جدتي
أن تجاوب
ولكنها فشلت
عدة مرات وفي
النهاية قالت:
"طباخ السم
بيدوق السم،
يعني طبيخه،
مش هو اللي
طابخه؟" ثم
ربتت على خدي
وقالت: "نام
يا أمين،
الدنيا تأخرت."
لكني
لم أكن
مستعداً أن
أنهي
المحادثة عند
هذا الحد
لذلك سألت
بطفولة: " لكن
ليه بيدوق
السم اللي
طابخه؟"
أجابت
جدتي بسرعة
حتى تنهي هذه
المحادثة: "عشان
يشوف السم
حادق ولا دلع
ولا حامض،
حجات زى كده.
يلّه نام يا
وَلَه وجعت
راسي."
فكرت
فيما قالته
لي جدتي
فوجدت أن
كلامها
معقول؛ فيجب
على كل طباخ
أن يتذوق
طعامه؛ لذلك
اكتفيت بما
سألته،
وأغمضت عيني
وذهبت في
سبات عميق.
*
* *
بعد
عدة أسابيع
بينما كنت
أتناول طعام
الإفطار سمعت
صوت إطلاق
نار. صوت
إطلاق النار
هذا نسمعه في
الغالب عندما
يطلق خفيراً
النار في
الهواء
لإرهاب
اللصوص أو
عندما يكون
هناك احتفال
بزفاف أو
طهور، وهذا
يحدث إما في
الليل عندما
تنشط اللصوص
أو في المساء
عندما تقام
الأفراح
والليالي.
لذلك استعجبت
عندما سمعت
صوت إطلاق
النار، وعلي
الفور انطلقت
كالسهم إلي
الخارج تاركا
طعام الإفطار
غير أبه
بتوسلات أمي
بأن أكمل
إفطاري.
عندما
خرجت وجدت
بعض الأطفال
والشباب
يهرولون نحو
الصوت
فتبعتهم حتى
وصلنا إلى
قهوة في
البلدة.
بجانب القهوة
وجدنا عسكري
يقف و معه
بندقية يتحدث
إلي بعض
الرجال
باهتمام، ومن
حوله بعض
الشباب
وكثيرا من
الأطفال
متداخلين
بينهم يشنفون
آذانهم
ليلتقطوا أي
كلمة ليقوموا
بإذاعتها كما
يفعل مراسلي
وكالات
ألأنباء.
عندما
اقتربت
أحاطني بعض
الصبية وقبل
أن أسأل قال
أحدهم بسرعة:
"مش كلب أولاد
الشناينة
اتسعر وعض
السيد أبو
بسبيس."
أكمل
آخر وهو في
حالة من
الإثارة "دكتور
الوحدة شافه
وادى له 21 حقنه
في بطنه."
دفع
ثالث الاثنين
الآخرين وصاح
بانفعال بادٍ:
"الدكتور بلغ
البوليس على
الكلب
والعسكري جه
عشان يموت
الكلب."
علق
رابع وكأنه
يعلم بواطن
الأمور: "دا
يمكن كمان
يسجنوا صاحب
الكلب."
سألت:
" مين اللي
ضرب النار؟"
أجاب
أحد الحاضرين:
"الشاويش ضرب
في الهوا
عشان يجرب
البندقية."
ذهبت
لاستمع إلي
ما يدور بين
العسكري
والرجال
الذين حوله
فوجدت
العسكري يهز
رأسه إلى
أعلى والى
أسفل وهو
يستمع إلى
بعض الرجال
وكأنه يوافق
على ما يقوله
المتحدث تم
رد بنبرة
مطمئنة:" ما
تخافوش، أنا
هاخلص لكم
على الكلاب
السعرانة دي.
الكلب منهم
مش هياخد مني
إلا طلقة
واحده ومش
هيجيب منطق."
صاح
بعض المحيطين:
"الله يعمر
بيتك يا
شاويش عبد
الفتاح. أيوه
كده، خلص لنا
على الكلاب
دي كلها. دي
قرفتنا في
عيشتنا."
أجاب
الشاويش عبد
الفتاح بثقة:
"حاضر أنا
رايح، بس حد
يجي معايا
عشان ندور
عليهم."
عندما
سمع الأطفال
ما قاله
الشاويش عبد
الفتاح
انطلقوا في
كل اتجاه
ليبحثوا عن
الكلاب
المسعورة.
قبل أن يتحرك
الشاويش من
مكانه أقبل
بعض الصبية
وهم يصيحون
ويشيرون إلى
أحد الشوارع:
"كلب منهم في
الحارة دي."
انطلق
الجميع إلى
حيث أشار
الأطفال
فوجدنا أحد
الكلاب يقف
على سطح
تعريشة ذات
سقف منخفض
وهو ينظر
إلينا كأنه
يراقب احتفال
أو مهرجان من
فوق سطح
منزله. أشار
الشاويش على
الجميع أن
يخفضوا
أصواتهم حتى
لا يفر الكلب.
خشعت الأصوات
و اشرأبت
الأعناق
تراقب
الشاويش وهو
جالس على
أحدى ركبتيه
وهو يعمر
سلاحه الفتاك
على الركبة
الأخرى.
بعد
أن عمر
الشاويش
البندقية
انتصب واقفا
وأشار بيده
للجميع
ليبتعدوا حتى
لا يصاب أحد
بطريق الخطأ.
نظر الشاويش
إلى الكلب
وكلمه بسخرية
مشوبة بتحدي
قائلاً: "مالك!
بتبص لي
بقلاطة ليه؟
مش همك؟ أنا
هأخليك تقابل
اللي خلقك
بعد دقيقتين،
أكيد شايف
قبّاض
الأرواح واقف
مستنيك.” لكن
الكلب تجاهل
الشاويش
باحتقار واضح.
حبس
الجميع
أنفاسهم وهم
يراقبون
الشاويش وهو
يضع البندقية
على كتفه
ويصوب نحو
الكلب. عدل
الشاويش
البندقية
يمنة ويسرى
حتى تصوب
بدقة على قلب
المسكين. قفل
أحد العينين،
كتم نفسه،
وضع إصبعه
على الزناد،
وفجأة سمعنا
صوت: "طخ.“
ارتعدت
فرائصنا من
الصوت ولكننا
تمالكنا
أنفسنا ثم
تنفسنا
الصعداء
حينما نظرنا
إلى أعلى
التعريشة فلم
نرى الكلب.
ابتسم
الشاويش وقال
بنبرة مشوبة
بخيلاء: "أهو
اتوكل على
اللي خلقه. مش
قلت لكم. حد
يطلع ينزله."
صعد
أثنين من
الشباب إلى
سطح التعريشة
وما كادوا
يصعدون حتى
سمعنا صوت
تكشير الكلب
عن أنيابه
مما أدى إلى
قفزهم إلى
الأرض وهم
يصيحون: "الكلب
لسه صاحي. دا
كان هياكولنا"
فرد الشاويش
بتعجب وهو لا
يصدق أذنيه: "
صاحي! يبقى
اتعور"
فأجابوا: "لأ.
مافيهوش نقطة
دم"
أمسك
الشاويش
بذقنه وفكر
قليلاً ثم
ابتسم وقال: "هو
صعب الواحد
ينشن من تحت.
أنا هآخده من
فوق عشان ما
يفلفصش." ثم
وجه كلامه
إلينا قائلاً:
"حد فيكم يسأل
صاحب البيت
إلّي جنب
التعريشة دي
إن كان ممكن
أطلع أضرب
الكلب
السعران ده
من فوق سطحهم
ولا لأ."
وافق
أهل البيت عن
رضا وترحاب
وصعد الشاويش
إلى السطح.
عَمَرَ
الشاويش
ألبندقية،
صوبها ناحية
الكلب، قفل
أحدي عينه،
حبس أنفاسه،
وضع يده على
الزناد، عدل
من مكانه لكي
يحكم التصويب.
كرر الشاويش
هذه الحركات
عدة مرات مما
اضطر احد
الحاضرين أن
يشرح لنا سبب
تأخر الشاويش
عن إطلاق
النار فقال: "
الشاويش عبد
الفتاح مش
هيضرب إلا
لما يكون
ألنشان مِية
في المِية."
وبينما
نحن نناقش
قدرات
الشاويش
العسكرية
فجأة سمعنا
صوت إطلاق
النار: "طخ."
فاهتززنا
ونظرنا إلى
أعلى فشاهدنا
الشاويش يرفع
عينه من على
فتحة التنشين
بينما الكلب
طائراً في
الهواء فوقنا
كأنه وحش
كاسر يريد أن
يفترسنا.
صرخنا برعب
وقفز كل فرد
لينجوا بنفسه
وانكفأ بعض
الصبية علي
وجوههم وهم
يصرخون
ويبكون
بهستريا من
الرعب. سقط
الكلب وسطنا،
وقبل أن نفيق
من هول
الصدمة هرب
من بيننا
بسرعة البرق.
قام
منا من وقع
على الأرض
وهو ينفض
التراب من
على ملابسه
وعاد من تمكن
من الفرار
ونزل الشاويش
عبد الفتاح
من على سطح
المنزل وهو
مطأطئ الرأس.
سأله
أحد الحاضرين:
"إيه اللي حصل
يا شاويش."
رد
الشاويش بعد
أن مسح عرقه: "الكلاب
دول أنجس خلق
الله. الواحد
منهم يبص لك
وأنت بتنشن
عليه كأنه
بيتحداك.
ولما تنشن
مظبوط وتضرب
تلاقيه بقدرة
قادر فط و فوت
الطلقة زى ما
يكون شايفها.
مش بأقولك،
أنجس خلق
الله."
صمت
الشاويش برهة
ثم أكمل: "أنتم
فاكرين أنا
هاسيب الكلب
ده؟ والله
لأجيب أجله.
حتى لو راح
آخر الدنيا.
هتشوفوا."
جلس
الشاويش علي
مصطبة بجانب
التعريشة
ووضع
البندقية
بجانبه وقال:
"رغيف عيش. حد
يجيب رغيف
عيش."
فصاح
الحاضرين،
مجموعة بعد
الأخرى: "رغيف
عيش ..... رغيف عيش
..... رغيف عيش ....."
انطلقت كلمة "
رغيف عيش"
كأنها موجة
أثير تنطلق
في كل اتجاه.
فُتِح باب
أحد المنازل
وكأن موجة
الأصوات
ارتطمت به
وخرج منه
رغيف من
العيش الذي
انتقل من يد
إلى يد وكأنه
موجة مرتدة.
أخذ الشاويش
رغيف العيش
وانتظرنا أن
ينقض عليه
ليأكله ولكنه
وضعه علي
فخذه وقال: "حتة
سمنة." تعجب
الجميع من
هذا الطلب
الغريب فلقد
توقعنا أن
يطلب حتة
جبنه لكي
يأكل بها
الرغيف. أما
طلب السمن
فكان فيه بعض
الغرابة.
توقعنا أن
يكون قد أخطأ
فصححه أحد
الشباب: "تقصد
جبنه؟" فرد
الشاويش :"لأ
سمنة."
انطلقت
الموجات
الصوتية من
حناجرنا: "حتة
سمنة... حتة
سمنة...حتة
سمنة..."
فارتطمت بنفس
الباب الذي
فتح وخرجت
منه حتة سمنة
موضوعة على
كسرة خبز
ناشفة. أخذ
الشاويش
السمن وفرشه
علي رغيف
الخبز تم
أخرج كيس
صغير من جيبه
وفتحه وأخرج
منه علبة
فتحها ورش
منها مسحوق
أبيض على
السمن.
علق
أحد الحاضرين
قائلاً: "الشاويش
عبد الفتاح
بيطبخ للكلب
طبخة سم
هتجيب أجله."
سأل
أحد الحاضرين:
"ليه بيحط
السم على
السمنة؟"
أجاب
الأول: " عشان
السم يشتغل
لازم ينطبخ
مظبوط. هو فيه
حد بيطبخ من
غير سمنه؟"
أكمل
الشاويش
عملية الطبخ
ثم قال بثقة:
وروني الكلب
الملعون ده.
أنا هخلص لكم
عليه. السم
اللي أنا
حطيته على
السمنة يموت
جمل. عشان كده
الكلب هينقلب
لما بس يشم
ريحته."
انطلق
فريق البحث
ليحدد موقع
الكلب الجديد.
وجدنا الكلب
نائماً بسلام
بجانب أحد
البيوت و
هولا يدري ما
ينتظره من
مصير مظلم.
أشار إلينا
الشاويش أن
نظل بعيدا
حتى لا يخاف
الكلب ويهرب.
أقترب
الشاويش من
الكلب وفي
يده قطعة
الخبز بالسمن
المسموم.
قربها إلى
أنف الكلب،
وعندما شمها
الكلب هز
زيله واقترب
من الشاويش.
ألقاها
الشاويش له
فإلتقمها
وأكلها بشهية
واضحة ثم ذهب
إلى مكانه
لينام وكأن
شيئاً لم
يحدث. أقبلنا
لنري كيف
سيموت الكلب،
لكن الكلب
قام وسار
بهدوء كأنه
يتنزه على
شاطئ البحر
أو في
المنتزه وهو
يلعق فمه من
الخارج. علق
الشاويش
قائلاً: "استنوا
شوية، بطنه
هتتفرتك لما
يشرب ميه."
عندما
فشل الشاويش
في التخلص من
الكلب أصابنا
الملل و عدم
الاكتراث ولم
تعد لدينا
رغبة في
ملاحقته.
لذلك تركنا
الشاويش ليحل
مشكلته مع
الكلب بنفسه
وانصرفنا
لنبحث عن شيء
أكثر إثارة
ومتعة لنا.
*
* *
اتجهت
إلى البيت
وأنا أفكر في
مغامرات
الشاويش عبد
الفتاح مع
الكلب.
استرجعت
محاولاته
الفاشلة
لإطلاق النار
على الكلب
وكيف هجم
الكلب علينا
من فوق
التعريشة.
تذكرت كيف
طبخ السم
وخاصة تقليب
السم مع
السمن كأنه
نقاشا يخلط
المعجون.
تذكرت انصراف
الكلب بعد أن
أكل الخبز
المسموم وكيف
أنه كان يلعق
فمه بلسانه
وكأنه يستمتع
بتذوق الطعام
الذي قدمه
الشاويش له.
وصلت
إلى البيت.
وبدون شعور
ذهبت إلى سبت
الخبز وأخذت
رغيفاً ووضعت
عليه قطعة
سمن. ثم ذهبت
إلى حجرة
التخزين حيث
يوجد صندوق
ورقي صغير
فيه سم فئران
وضعه والدي
للتخلص من
الفئران التي
تدخل البيت
من الحقول
المجاورة
لبيتنا الذي
بناه والدي
خارج البلدة.
أخذت قليلاً
من السم و
مزجته في
السمن كما
فعل الشاويش
عبد الفتاح
ثم فردته على
رغيف الخبز.
كانت طبخت
السم التي
طبختها تشابه
طبخت الشاويش
عبد الفتاح،
إلا أن لون
السم الذي
استعملته كان
رمادي وليس
أبيض.
بعد
أن أكملت
عملية المزج،
خرجت من
البيت لأبحث
عن كلب لكي
أرمي له
الخبز
المسموم كما
فعل الشاويش
عبد الفتاح.
بينما أنا في
طريقي للبحث
عن كلب، خطر
على بالي
خاطر جهنمي و
هو أن أتذوق
طبخة السم
هذه التي
طبختها بنفسي.
لكني ترددت...
فهذه فكرة
خطرة... لكن
الخاطر ألح
علي كأن
أحداً يوسوس
إلي في أذني
ويلح علي أن
أفعل ذلك.
مددت لساني
وبطرفه لمست
السمن
المسموم ثم
أبعدت لساني
بسرعة. لم أحس
بطعم أي شيء،
فيبدوا أني
لساني لم
يلمس السمن
بقدر كافي.
بعدها طردت
الفكرة من
خاطري وسرت
في طريقي
للبحث عن كلب.
بعد
عناء البحث،
لم أجد كلب
لكي أقدم له
السم فقررت
الرجوع إلى
المنزل. وأنا
في طريقي ألح
علي الخاطر
مرة أخرى
وبشدة. حاولت
أن أقاومه
ولكن عندما
تذكرت أن
الكلب الذي
أكل سم
الشاويش لم
يمت ضعفت
مقاومتي وقلت
لنفسي: أنا لن
آكل السم أنا
فقط سأتذوقه.
تذكرت مقولة
جدتي وأمي
وجيراننا أن
طباخ السم
بيدوقه،
فتلاشت
مقاومتي
وزادت رغبتي
في أن أتزوق
طبخة السم
هذه.
قربت
الرغيف
المسموم من
فمي ببطيء ثم
لعقته بلساني.
أحسست بطعم
السمن ولم
أحس بطعم
السم. كان
السمن ذو طعم
مًدهِن
ودِلِع (قليل
الملح). بصقت
السمن بعد أن
لكته في فمي
قليلاًًُ.
عندما أحسست
أني لم أشعر
بشيء تنفست
الصعداء،
فالسم لن
يقتلني كما
أنه لم يقتل
الكلب من قبل.
سرت
في اتجاه
البيت وأنا
سعيد أن السم
لم يؤثر في.
فجأة تذكرت
قول الشاويش
بأن الكلب "
بطنه هتتفرتك
لما يشرب ميه."
انتابني
الخوف مرة
أخرى ولكني
سرعان ما
اطمأنت نفسي
حينما شعرت
بأنه لا خوف
علي طالما
أني لن أشرب
ماء.
بينما
أنا على هذه
الحال سمعت
من خلفي من
ينادي عليَ
فنظرت خلفي
فوجدت أحد
الأطفال
الذين كانوا
يشاهدون
الشاويش معي
وهو يندفع
نحوي ويقول: "الكلب
مات، الكلب
مات.” ثم أنطلق
لكي يخبر
باقي أقرانه.
توقفت قليلاً
عن المشي حتى
استوعبت مغزى
ما يقول
وعندما
أدركتُ حجم
الكارثة خارت
قواي وجلست
على الأرض.
أحسست أن
نهايتي
اقتربت وأني
سوف أموت بعد
لحظات.
قمت
من علي الأرض
وأنا متشبث
بالحياة ومصر
على أن أعيش
لذلك انطلقت
أجري ... أجري...
أجري... لكي
أتأكد أني
مازلت حيا.
بدأ قلبي يدق...
ويدق... ويدق...،
وكلما جريت
ازدادت دقاته.
بالرغم من
ذلك لم
أتوقف، لقد
خشيت إن
توقفت عن
الجري فسيقف
قلبي
كالسيارة
المعطوبة
التي لا تدور
إذا أوقف
محركها عن
الدوران.
تعبت
قدماي وأسرع
تنفسي حتى
كدت أن اسقط
وألفظ أنفاسي.
لم أستطع
الاستمرار في
الجري فساقَي
لا يطيعاني.
أحسست بالعطش...
أردت أن
أشرب، لكني
خفت أن ينفجر
بطني. أحسست
بدوخة فجلست
بجانب جدار
أحد البيوت.
ظللت على
حالتي هذه
تتقاذفني
الأفكار
السوداء مدة
طويلة لا
أدري كم هي
ولم أنتبه
إلا عندما
لاحظت أن
الشمس قد
غابت.
قمت
للذهاب إلي
البيت وأنا
أفكر فيما
سأقوله لوادي.
أحسست بخوف
شديد من
إطلاعه على
هذا الأمر.
قررت أنه من
الأصوب أن
أخبر جدتي
بدلاً من
والدي، لكني
خفت من أن
تخبر والدي.
أحسست بحيرة
شديدة. تمنيت
أني لو لم
أتذوق السمن
المسموم.
أحسست بصداع
خفيف في رأسي
فأيقنت بأن
السم قد وصل
بالفعل إلى
دماغي. بعد
ذلك بدأت
أشعر بألم في
أمعائي
فازداد يقيني
أني سألقى
منيتي إن
آجلاً أو
عاجلاً،
فالسم قد بدأ
يقطع أحشائي.
دخلت
المنزل
متسللاً.
ذهبت إلي
سريري الذي
هو أيضاً
سرير جدتي
لكي أبتعد عن
الجميع.
عندما ذهبت
إلى السرير
بدون أن
أشاكس أمي
كعادة كل
يوم، شَعَرًة
بالقلق وأحست
أن في الأمر
شيء، فليس من
عادتي أن
أذهب إلى
السرير بهذا
الهدوء. أتت
أمي إلي
حجرتي
لتسألني
لماذا لم
أتناول طعام
العشاء،
فأخبرتها أني
أريد أن أنام.
فقالت وهي
تغطيني: "نام،
نوم الظالم
عبادة، أنت
ما بطلتش جري
طول النهار."
ازداد
المغص
والصداع
وازداد عطشى
فقمت إلى
القلة وشربت
حتى ارتويت.
عندما انتبهت
إلى أني قد
شربت، أصبت
بالذعر، فبعد
قليل سوف
ينفجر بطني
وأموت. أشفقت
على نفسي من
هذا المصير
وبدأت دموعي
تسيل. أردت أن
أذهب لأخبر
أبي ولكني لم
أستطع القيام
فقد كانت
أعصابي
منهارة. أردت
الصياح فلم
يساعدني صوتي
فلم تعد عندي
قوة لذلك.
أحسست بالألم
في كل جسمي
كأن عظامي
مكسرة. أحسست
بالعجز
والضعف وقلة
الحيلة فوضعت
وجهي في
الوسادة
وبكيت بحزن
لكن بدون صوت
حتى بللت
دموعي
الوسادة.
بينما
أنا على هذه
الحال، سمعت
خطوات جدتي
وهي تدخل
الحجرة. فهذا
وقت نومها
بعد أن أدت
صلاة العشاء.
مسحت دموعي
حتى لا تراني
وأنا أبكي،
وان كانت لن
ترى دموعي
نتيجة لضعف
نظرها. نامت
جدتي بجواري،
وكالعادة
سحبت اللحاف
لكي تغطيني،
ولما أحست
أني مازلت
مستيقظاً
قالت: "نام يا
ولد، أنت ما
بتهمدش؟"
أجبت
بصوت حزين
وأنا أتمالك
نفسي حتى لا
أصرخ من ألم
الصداع
والمغص: "أنا
هأموت يا ستي."
ضحكت
جدتي وقالت: "لا
هتموت ولا
حاجة. دا عمر
الشقي بقي."
قلت:
"والله
العظيم أنا
هأموت
إنهارده. لو
مت هتزعلي
علي؟"
فقالت
وهي تبتسم: "أزعل
ليه؟ على
الأقل هأرتاح
من رفسك طول
الليل."
"الله
يسامحك." أجبت
بحزن وعتاب.
سمعتها
تضحك ولكني
لم أجد فيما
قلته شيء
يضحك. أحسست
أن الكل تخلى
عني وبدأت
الدنيا تدور
بي والصداع
والمغص يشتد.
سمعت
تنفس جدتي
الرتيب الذي
يوحي أنها
استغرقت في
النوم.
استمعت إليها
وأنا أمسك
رأسي وبطني
من شدة الألم.
بدأ صوت
تنفس والدتي
يبتعد و بدأت
أرى أشخاص
كثيرة بعضهم
قد مات.
كلمتني هذه
ألأشخاص
وكلمتها وجدت
جدتي معهم
وهي تكلمني
ولكن لم
أستطيع تمييز
ما تقو. هزتني
وهي تصرخ
ولكني لم
أسمع صوتها
وكأنه محبوس.
أحسست بدخول
دخل أبي وأمي
و رأيت شفاهم
تتحرك ولا
يخرج منها
صوت. هزني أبي
ووضع يده على
رأسي. ضربت
أمي بيدها
على صدرها
كلمتها
ولكنها لم
ترد علي
وكأنها لا
تفهم ما أقول.
كل ما كانت
تفعله هو هز
جسمي والتحدث
معي بصوت غير
مسموع. بدأت
صورهم تتحول
إلى أشباح
صامته حتى
اختفت تماماً
ولم أعد أحس
بما حولي.
*
* *
أحسست
بحركة بجاني.
كانت عيناي
مغلقتان ولكن
كنت أحس أن
نارا عظيمة
بجواري فأنا
أري نورها من
خلال جفوني.
استعجبت من
هذه النار.
فيبدو أني
دخلت جهنم
فمن يقتل
نفسه يدخل
النار.
بدأ
إدراكي يزيد.
سمعت همهمات
لم أستطع
تمييزها.
أردت أن أفتح
جفوني فصعب
علي ذلك
ولكني استطعت
أن أري أشخاص
متشحين
بالسواد
يتحدثون وكل
ما ميزته من
كلامهم هو
أسمي: أمين.
تبادر إلى
زهني أنهم
زبانية جهنم
وخاصة أني
وجدت أحد
هؤلاء
الزبانية
يسعر النار.
بدأت
حواسي تعود
إلي واحدة
بعد الأخرى
ففتحت عيني
قليلاً فوجدت
جدتي تجلس
بجانبي من
جهة ومن
الأخرى تجلس
جدتي لأمي.
أما عند قدمي
فكانت تجلس
خالتي. على
الأرض كانت
تجلس أمي
تسخن سيئاً
على نار
المدفأة التي
تعمل بالخشب،
حيث أننا كنا
في فصل
الشتاء.
فتحت عيناي
وحركت رأسي
فرأتني خالتي
فصاحت: "أمين
فاق." فهب
الجميع
وأحاطوني
وأجلسوني.
"الحمد
لله انك بخير."
قالت جدتي
لأمي.
"حمد
لله على
سلامتك يا
حبيبي" تمتم
الجميع.
احتضنتني
أمي وقالت
وهي تبكي: "والله
أنا ما كنت
معشمه انك
هتقوم يا
حبيبي."
"أحنا
كنا فين
وبفينا فين.
الحمد لله."
علقت جدتي.
عندما
أيقنت أني حي
سالت أمي: "هو
أنا مت يا امه
ولا إيه؟"
"بعد
الشر يا
حبيبي. ما
تفاولش على
نفسك." أجابت
أمي بسرعة
وهي تضع يدها
على فمي.
"أُمال
أنا كنت فين؟"
سألت بلهفة.
"كان
مغمى عليك."
أجابت جدتي.
"عشان
أكلت السم."
استفسرت منها.
"سم
إيه وبتاع
إيه. دا أنت
كنت محصب."
أجابت جدتي
وهي تبتسم
معتقدة أني
مازلت اُهلوس.
"محصب
يعني إيه؟"
سالت.
"يعني
كنت عيان
شوية. شايف
البقع الحمرة
اللي على
جسمك؟" قالت
جدتي.
أجبت:
"آه."
"البقع
دي من الحصبة."
ردت جدتي.
قالت
جدتي لأمي: "قوم
يا أمين عشان
تاكل لك لقمه
تتقوت بيها.
أحضرت
أمي صينية
عليها لحم
وأرز وخضار
ووضعتها
أمامي لكي
أأكل، ثم
التفت إلي
خالتي وقالت:
"يلله مدي
ايدك، بسم
الله."
ردت
خالتي: "بالهنا
والشفا
لأمين، دا
أنا اللي
طبخاه."
قالت
أمي: "كلي، دا
طباخ السم
بيدوقه."
قلت
بسرعة: "طباخ
السم تاني.
الله يخرب
بيت طباخ
السم واللي
جاب طباخ
السم." ثم
ألقيت اللقمة
التي كانت في
يدي ونمت مرة
أخرى.
أستعجب
الجميع مما
قلت ولكنهم
عزوه إلي عدم
امتثالي
للشفاء
الكامل من
الحمى التي
أصابتني بسبب
الحصبة ولم
يخطر ببال
مخلوق حتى
يومنا هذا
أني طبخت
السم وتذوقته.
© 2003
د.
إبراهيم محمد
عبد المطلب
|