لن أنسي يوم أن كنت في الثانية عشرة من عمري في أحد أيام شهر يونيه حيث كنت ألعبألعب الكرة في الشارع أمام منزلنا. في هذه المباراة وعند نهايتها، وصلتني الكرة فقفزت في الهواء وضربتها برأسي في اتجاه مرمى الفريق المنافس. قبل أن تمس قدمي الأرض تعالى صياح مشجعي فريقنا (حارة ألمنشية ألجديدة) الواقفين على أحد جانبي الطريق وهم يرفعون أيدهم ويقفزون في الهواء، "جون! جون! جون!"

في نفس اللحظة، إن لم يكن قبلها، انطلق مشجعي الفريق الآخر (حارة الخنانسة) من على الجانب الآخر من الطريق نحو مرمى فريقهم وهم يشيرون إلى مكان خروج الكرة ويصرخون: "أوت! أوت! أوت!"

دخل المشجعين واللاعبين إلي الملعب، أي منتصف الشارع، و في لحظات تكون من مشجعي الفريقين مجموعتان: إحداها تصيح، "جون! جون!"... فترد الأخرى، "أوت! أوت!"... فتقسم الأولى، "والله الكرة جون!" ... فترد الثانية، "عليّ النعمة أوت."

ينطلق أحد لاعبي فريق الخنانسة إلى مرمى فريقه ويرسم منحى في الهواء ليوضح أن الكرة كانت خارج علامات المرمى، فيرد عليه المنافس برسم منحنى آخر ليوضح أن الكرة أوت. يختلط الحابل بالنابل حتى أصبح لا يستطيع أحد أن يميز ألأصوات من بعضها.

كنت أراقب هذا المشهد، الذي أنا مسئول عنه بالدرجة الأولى، من خارج الملعب. فهذا الهدف المختَلف عليه أحرزته من كرة رماها لي بيده حارس مرمى فريقي فضربتها برأسي في مرمى الفريق الآخر. وكانت هذه هي طريقة فريقنا في اللعب والتي جعلت مني هداف الفريق حيث يرمي لي الحارس الكرة فأضربها برأسي فتذهب إلى حيث شاء الله. لحسن الحظ بعض هذه الضربات تجد طريقها إلى مرمى الفريق المنافس سواء شئت أم أبيت. و كالعادة يبدأ بعدها الصياح والشجار على صحة الهدف من عدمه.

*     *       *

في الأحوال العادية يُحسم الموقف لصاح الجانب ألأعلى صوتاً والأغلظ أيماناً.  فمثلاً من يحلف فيقول، "علي الحرام من ديني دي أوت" يصدق أكتر مِن مَن يحلف بقول، "والله دي جون." أما في حالتنا هذه، فقد أستطاع كل فريق أن يرفع صوته ويغلظ أيمانه بنفس الدرجة، لذلك لم تحسم القضية بالرغم من محاولات الفريقين. كان هذا الهدف سيحسم الماتش، لذلك أصر كل فريق على موقفه. أما الحَكَم فضاع صوته ولم يعبأ أحد بما يقول فآثر السكوت فهو يعلم أنه مهما كان قراره فسوف يُتهم بانحيازه للفريق الذي في صالحه القرار.

 عندما فشل الفريقين في الاتفاق وطال الجدال، صاح حارس مرمى الفريق المنافس "تعالوا نسأل أمين إن كان ده جون ولا لأ. أهو أمين هو اللي جاب الجون."

صاح فريقي منتهزاً هذه الفرصة الذهبية "إحنا موافقين." ولما لا يوافقون و أنا من فريقهم والذي أحرز ألهدف لهم ولابد أن أشهد في صالحهم بأن الهدف صحيح.

تقدم حارس مرمى فريقنا وواجه حارس مرمى الفريق ألآخر وصاح بتحدي: "بس بشرط.”

رد كابتن الفريق الآخر بتحدي مماثل: "اشرط زي ما أنت عاوز."

قال حارس مرمانا بتؤدة وثقة وأدب كمن يستدرج خصمه إلي الدخول في فخ نصبه له، "تقبلوا حكم أمين وما تعترضوش عليه".

صاح الجانب ألآخر في صوت واحد"موافقين."

هرول الجميع إلي مكاني وهم في حالة من الإثارة.  تقدم كابتن الفريق المنافس وقال لي: "أمين! إحنا عارفين أنك بتقول الحق ولو على رقبتك. و إحنا راضين زمتك لأنك حقاني وجدع وما بتكدبش. ده كان جون ولا أوت؟"

 صمتُ لبرهة، فأنا لم أرى الكرة حيث أنني ضربتها بجانب رأسي وليس بمقدمتها ولذلك لا أستطيع حسم القضية. احترت ماذا أجيب، إن قلت أن الكرة جون سأبدو منحازا إلى فريقي وهذا سيؤدي إلى زعزعة ثقة الفريق المنافس فيّ ولن أكون في نظرهم الجدع الذي يقول الحق ولو على رقبته، وإن قلت أوت فسأخسر هدف سيحسم الماتش وربما الدوري كله.

همس أحد مشجعي الفريق الخصم لزميله: "أمين ده عمره ما يكذب. أنا عارفه، يقول الحق ولو على رقابته."

ملأني الفخر لثقة الخصم بي فقلت بنبرة واثقة: "الكرة أوت."

صرخ الفريق المنافس وهم يرفعون أيدهم ويجرون في مسارات ملتوية دائرية كمن مستهم الشياطين: "أوت! أوت! هنلعب وقت أضافي.أوت أوت!"

*     *       *

كانت النتيجة التعادل 1:1 وكان الوقت ألأصلي انتهى. ولحسم النتيجة لا بد من اللعب وقت إضافي. أحس أعضاء فريقي أني خذلتهم وبدا على وجوهم الغيظ والإحباط. ولما أحسست بما في نفوسهم أردت أن أحسم ألموقف فقلت لهم: "أنتم عارفين إني بأقول الحق حتى ولو كان على أبويا. الكرة كانت فق حجر الجون، يعني أوت."

رد حارس مرمى فريقنا بغيظ مشوب بالتحدي: "طيب! اتشطّر يا فالح وهات لنا جون بدل اللي ضيعته.

"رددت عليه بثقة: "ارمي لي كور حلوة وأنا أجيب لك عشر جوان، مش واحد. أنت عارف إني هداف الفريق"

رد وهو يسير إلى مرماه: "هنشوف!"

لم أتوج هداف فريقي بسهولة. في البداية كنت ألعب في دفاع الفريق. كنت أحب الدفاع لأن المدافع عليه عمل سهل، يكفيه قطع الكرة وتشتيتها (أو تطفيشها بلغة اللعيبة) بدون أن يكون مطلوب إيصالها إلى نقطة معينة. فيكفي أن تخرج الكرة أوت أو كرنر حتى تكون قد أديت واجبك. أما المهاجم فكل لعبة يلعبها ولا تصيب الهدف فهي بلا نتيجة أو لعبة ضائعة. لذلك المهاجم يلام في أغلب الأحوال على هزيمة فريقه. لكن ذاع صيتي كهداف وحريف منذ سنتين حينما كنا نلعب مباراة حبية. أثناء الماتش أتت لي كرة طائشة بين قدمي لا أدري من ركلها. أردت أن أتفادى الكرة حتى لا أكون مسئول عنها. قفزت إلى أعلى حتى تمر الكرة من بين قدمي وتذهب إلى لاعب آخر. لكن الكرة بدل من أن تسير في طريقها ارتطمت بباطن قدمي اليمنى فانحرف مسارها ودخلت مرمى الفريق المنافس. حينما شاهد اللاعبين هذه الحركة البهلوانية تصوروا أنها حركة حرفنة فصاح الجميع: "يا واد يا حريف... دا أنت ما ولدتكش ولادة،" وانهالت علي عبارات الثناء. بعد هذه الحادثة لعبت في الهجوم. المشكلة أني لم أكن هدافاً من قبل ولكي أضمن تحقيق أهداف لفريقي وأحتفظ بلقب الهداف الحريف، اتفقت مع حارس المرمى أن يرمي لي الكرة ويصوبها علي رأسي حتى أصوبها بدوري في مرمى الخصم.

*     *       *

 بعد أن حكمت أن الهدف غير صحيح، صَفَرَ الحكم ليأخذ كل فريق مكانه استعدادا لبدء شوطي الوقت ألإضافي. أخذت مكاني في منتصف الملعب وأنا مليء بالزهو لأمانتي التي أعترف بها العدو قبل الصديق. بينما نحن نتخير أماكننا ونهرب من مراقبة الخصم وقبل أن يعلن الحكم بدئ الماتش، ألقيت ببصري علي الطريق فلمحت خيال شخص يتهادى في الطريق قادماً إلي ناحيتنا. دققت في ملبسه وملامحه فعرفته. إنه هو بقامته الممشوقة، يسير بخطاه الهادئة لابساً ألأفارول ألكاكي الذي يلبسه عندما يكون لديه مأمورية حصر المحاصيل الزراعية لحساب مصلحة المساحة.  كان ينظر في خط مستقيم وكأنه ينظر إلي مالا نهاية. أحسست أن هذا ألخط يمر عبر قلبي ليعرف مكنونه. تسمرت في مكاني و بدأ عرقاً غزيراً يتصبب مني،  أحسست أنه يعرف ما فعلت وما لم أفعل، إنه والدي. وهو دون عن خلق الله جميعاً لم أكن أريد أن أراه في هذه اللحظة.

تقدم والدي بخطاه الثابتة حتى أصبح في محاذاتي وقال بصوت هادئ: "أمين! سقيت الشجر؟"

لم أجد بداً من الاعتراف، فبنظرة منه على جذر الشجر سيعرف إن كنت قد سقيته أم لا، لذلك أجبت بصوت خفيض وأنا أنظر إلى ألأرض: "لسه!"

"ومستني إيه؟" رد والدي وهو يبسط كفيه متسائلاً.

أجبت بسرعة: "دا أنا كنت هأروح دلوقتي أسقيهم."

أشار بيديه إلى ناحية البيت، ليوحي بأن هذا ألأمر لابد أن يحدث الآن، وقال: "طيب تعالى معايا عشان تسقيهم." سرت خلفه في خجل وأنا مطأطئ الرأس.

*     *       *

كانت لدينا حديقة صغيرة إلى جانب منزلنا. منذ خمس سنوات قام والدي بزرع حوالي 26 شجرة جوافة مِن جميع الأنواع في الحديقة. كان أحد الفلاحين يروي هذه ألأشجار عندما يسقى أرضه القريبة منا، وكان والدي يعطيه أجر سقي هذه ألأشجار. كان أبي فخور بها، ولم لا وهي تخرج كميه كبيرة من الجوافة كل عام. بعد نجاح تجربة الجوافة أحضر والدي أربع شجرات، اثنان مشمش واثنان عنب، وقام بزرعهن في الحديقة. جذور هذه ألأشجار لم تكن ثبتت في الأرض بعد، لذلك كان يجب أن تروى يومياً، خاصة في أيام الصيف ذات النار الحارقة. ولحظي العاثر أوكَل والدي لي مهمة سقي الأشجار ألأربعة من طلمبة الماء الموجودة بجوارهم.

وصلنا إلي الحديقة فقلت لوالدي محتجاً: "ليه أنا اللي لازم أسقي الشجر."

رد والدي: "عشان أنت في أجازه وفاضي طول النهار."

تمتمت معقباً: "لازم يعني نزرع شجر وفاكهه ونغلب نفسنا؟"

أجاب والدي وهو يحضر لي الدلو لأملأه وأسقي الشجر: "عشان لما يطرح الشجر فاكهة تاكل وتنبسط."

رددت في حنق ظاهر: "لكن أنا بأكره الفاكهة ومش عاوز آكل فاكهة أبداً."

أجاب والدي مبتسماً: "ولمّا أنت بتكره الفاكهة ليه أكلت من كام شهر نص قفة جوافة مرة واحدة لغاية لما جَحّرِت في بطنك وأخدناك على المستشفى عشان نعمل لك غسيل معدة؟"

*     *       *

احمر وجهي خجلاً حينما ذكرني والدي بهذه ألواقعة التي حدثت منذ عدة أشهر. تذكرت أنه في هذا اليوم رجعت من المدرسة وأنا في غاية الجوع حيث أنني لم أتناول لا طعام ألإفطار ولا ألغذاء. حينما طلبت من أمي الطعام أخبرتني أن الطعام سيكون جاهزاً في غضون ساعة. لم أستطع الانتظار لذلك خرجت إلي الحديقة فشممت رائحة ألجوافة الفائحة فأزداد جوعي. أحضرت سَبَت وقمت بقطف الجوافة الناضجة. استطعت أن أقطف حوالي نصف السبت. بعد أن غسلت الجوافة على عجل انقضضت عليها كالنمر المتفرس. بعد أن أكلت وامتلأت لم أحس بأي مشكلة في البداية، لكن بعد عدة ساعات أحسست برغبة في زيارة الحمام. عندما ذهبت إلى الحمام، اكتشفت أن عندي إمساك شديد كاد أن يقتلني. حينما أحس والدي بمعاناتي أخذني إلى المستشفى.

بعد الفحص حضر الطبيب إلى والدي وقال: "في بطن ابنك كره في حجم راس طفل."

انزعج والدي وسأل الدكتور: "طفل! جه منين الطفل ده.”

أشار الدكتور إلي والدي أن يتبعه وهو يقول: "تعالي نسأل ابنك."  

"أمين، أنت أكلت إيه إنهارده." سألني الطبيب.

أجبت: " "شوية فاكهه."

رد الطبيب بابتسامة لها مغذى: "شوية قد إيه يعني؟"

أجبت متردداً: "يجي .... نص سبت."

اهتز الطبيب من هول المفاجأة وقال: "ياه دا أنت أكلتك ضعيفة خالص. لكن إيه نوع الفاكهة دي؟"

أجبت على استحياء وانأ أتفادي النظر إليه: "جوافة."

ربت الدكتور على كتفي ليطمئنني وقال: "ما تخفش. هتبقى عال إنشاء الله."

نظر الطبيب إلى والدي و في عينيه بريق النصر وقال:" أنا عرفت سبب المشكلة."

"إيه هي يا دكتور؟" رد والدي بلهفة.

سحب الطبيب والدي بعيداً عن سريري، ولكن كنت ما زلت أستطيع سماع المحادثة، وقال بنبرة الخبير: "السبب أن ابنك لما أكل الجوافة أكلها ببزرها. لحمة الجوافة إتهضمت. لكن البزور تجمعت وكونت الكرة اللي في بطن ابنك."

سال والدي: "لكن إيه اللي يخلى البذور تلصق في بعض؟"  

"الظاهر إن معدة ابنك بتفرز حجات غريبة تسببت في تلاصق البذور." رد الطبيب.

سال والدي بحيرة بادية: "غريبة! زي إيه كده؟"

"زي إيه؟ زي صمغيات ، طحالب ، حفريات، حجات زي كده." رد الطبيب بنفاذ صبر واضح.

"طيب اعمل له غسيل معدة يا دكتور." طلب والدي من الطبيب بتوسل.

"غسيل معدة إيه يا حاج؟ دي مش كرة عجوة، دي كره أسمنت قد ألبطيخه ماتطلعشي بغسيل معدة لأن مافيش فتحه نقدر نطلعها منها، لازم نفشفشها الأول وبعدين نغسل المعدة." رد الطبيب بابتسامة ودية.

"وهتفشفشوها ازاي؟" سال والدي وهو بادي القلق.

"هنعمل اللازم." أجاب الطبيب وهو ينصرف من الحجرة وكأنه يريد أن ينهي هذه المحادثة، فقد سأل والدي أسئلة كثيرة والأطباء في مصر غير متعودين علي كثرة ألأسئلة، وفي غالب ألأحيان لا يذكرون طبيعة المرض للمريض نفسه.

 

 لم أدري ماذا حدث بعد ذلك. لكن ما أتذكره أني أخذت حقنه في الذراع بعدها نمت، ولما استيقظت وجدت ألألم قد خف، ثم ذهبت بعدها إلى البيت.

*     *       *

بينما أنا سارح في أحداث ما حدث لي بسبب الجوافة، أفقت على صوت والدي وهو يقول: "يا أمين كمل سقي الشجر وأنا هأروح أصلي الضهر،“ فأشرت له برأسي بالموافقة.

و بينما أنا أزاول عملي الكريه على نفسي سمعت صراخ عال "جون! جون!" فنظرت من فوق سور الحديقة فوجدت جمهور الفريق الآخر يرقصون ويهنئون بعضهم البعض فعرفت النتيجة المرة. لقد هُزم فريقنا. جاء حارس مرمى فريقي وقال لي بتهكم لاذع: "إيه الجوان دي كلها اللي سجلتها يا أمين؟ حرام عليك يا أخي، دا أنت هزأت الفريق التاني تهزئ!"

غلي الدم في عروقي وقلت في نفسي: "الشجر ده هو سبب تعاستي وسبب خروجي من الماتش، أنا لازم أقلعه." اندفعت بلا شعور لكي أكّسر الشجر ولكن قبل أن أخلع أول شجرة تذكرت أن شجر الفاكهة هذا عزيز على والدي و لو أقدمت على هذه الفعلة الشنيعة فربما لن أري نور اليوم التالي. توقفت عن تهوري وجلست لأدبر أمري. بعد أن فكرت قليلاً اهتديت إلى فكرة أستطيع بها أن أدمر الشجر بدون أن يحس والدي. قررت أن أحفر عند جذور الشجر وأصب بعض الكيروسين على الجذور ثم أغطي الحفرة بتراب جاف حتى لا يشم أحد رائحة الكيروسين. بذلك يشرب الشجر الكيروسين فيموت ويعتقد والدي أن الشجر مات موتة رباني.  

بعد دخول ألليل أحضرت صفيحة الكيروسين وذهبت متلصصاً إلى الحديقة و نفذت خطتي. لكي أحكم الخطة أظهرت لوالدي في الأيام التالية اجتهادي في سقي الشجر. ولما لاحظ والدي اجتهادي قال لأمي: "شوفي أمين قلبه على الشجر أزاي. ربنا يخليه لنا ويطرح فيه البركة. طول عمره طيب و بيطاوع، مش زي التاني اللي ما بيبلش ريق حد بكلمة حلوة."

ردت والدتي بفخر: "طبعاً مش مولود في شهر مبارك."

سأل والدي باستغراب: "أمين مولود في بؤونة، هي بؤونة شهر مبارك؟"

ردت والدتي بثقة: "طبعا شهر مبارك."

"يمكن! بس أنا ما أعرفش. لكن وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً!" قال والدي وهو يقلب كفيه باستعجاب.

بعد عدة أيام لاحظ والدي ذبول الشجر فسألني: "أنت بتسقي الشجر باستمرار ولا لأ؟"

أجبت مطمئناً: "طبعاً."

" لكن شكلهم مش عاجبني. باين عليهم محتاجين سماد." عقب والدي، فطأطأت برأسي علامة على الموافقة. 

في اليوم التالي أحضر والدي سماد كيماوي وسمد الشجر وبعد أن انتهى قال بثقة: " بكره هتشوف الشجر ده هيبقى شكله إيه؟

*     *       *

استمر الشجر في الذبول، وعندما أدرك والدي أن الشجر ميت لا محالة ناداني لكي نتفحصه معاً لنري سبب موته. بدأ والدي يتفحص الأوراق و لكنه لم يجد بها بأس. تفحص السيقان ليرى هل فيها كسر أو خدش فوجدها كلها سليمة. قال والدي هامساً لنفسه: " خليني أشوف الجدور يمكن أكلتها حاجة." حفر والدي حول الجذر ليتفحصه، وبينما هو يفعل ذلك لاحظ أن الطين له لون غير طبيعي، فرفع قطعة من الطين إلى أنفه، ولما شمها فغر فاه من الدهشة. نظر إلى باقي الشجر كأنه يكذب ما لمسته يداه وشمه أنفه. انتقل إلى الشجرة الثانية و فعل نفس الشيء ثم كرر ما فعله مع باقي الشجر وهو يقلب كفيه في ذهول.

راقبت لون وجهه والدي وهو يتغير من اللون الوردي إلي الأحمر ثم ألأزرق فأيقنت سوء العاقبة فقلت لنفسي: "جالك الموت يا تارك الصلاة."

كان أول شيء فكرت فيه هو النجاة من الهلاك فأدرت ظهري له وأردت أن أطلق ساقي للريح. لكن فجأة سمعته يقول بصوت غاضب وحازم: "أمين تعالى هنا."

هرب الدم في عروقي وأصفر لوني ولم أقوى على الحركة مثل الفريسة التي شُلت حركتها عندما رأت صيادها. صاح والدي مرة أخرى آمراً: "أنا قلت لك تعالى، ما جتش ليه؟"

لم أرى فائدة من المقاومة فذهبت إليه وأنا أفكر في مصيري الأسود الذي ينتظرني.

أخذ والدي قليلاً من الطين و صاح: "شم."

شممت الطين ولم أقل شيئا، فصاح متسائلاً: "شامم إيه؟"

فلم أدري ما أقول ولكني وجدت نفسي أقول:"مش شامم حاجة."

فقام بشم الطين ونظر إلي بغضب وقال: "أزاي! أنت مش شامم الجاز؟"

أحسست أن الإنكار لن يوصلني إلى شيء فشممت قطعة الطين مرة أخري و قلت: "صح! جاز."

قام والدي من جلسته وأقترب مني ونظر في عيني وقال: "أكيد أنت عارف مين اللي عمل الجريمة دي؟"

بلعت ريقي واتسعت عينتاي من الرعب وهززت رأسي بالنفي فقال والدي بثقة: " أنا أقول لك مين." فخرجت مني حشرجة يمكن أن تكون قريبة من كلمة مين.

"مافيش غيره. هيكون مين غيره." أجاب والدي بسرعة.  

فسالت بصوت لا يكاد يكون مسموع: "مين؟" 

"عديم الزمة و الضمير إبراهيم أبو غنيمي." أجاب والدي وهو يضغط على الكلمات للتأكيد.

التقطت أنفاسي بعد أن عرفت أن والدي يضعني فوق الشبهات. أردت أن أخفف عن والدي قليلاً فقلت: "يمكن مش هو، يمكن حد تاني."

"حد تاني مين؟ مين هيجي ويعمل العملة دي؟ مين هينط سور مترشق فيه قزاز مكسر عشان يعمل عملة زي دي؟ اللي عمل كده لازم يكون جه من أرض إبراهيم أبو غنيمي ومفيش حد غيره شاف الشجر ده إلا هو." أجاب مستنكراً ما قلته.

إبراهيم أبو غنيمي هذا كان يزرع أرض له ملاصقة لبيتنا وتقع في جنوبها. أما في شمال البيت كان يوجد سور مبني بالطين، أعلاه مرشق بقطع مكسرة من الزجاج حتى تمنع أي فرد من تسلقه. لذلك اعتقد والدي أنه لابد أن يكون هو أبو غنيمي الذي فعل هذه الفعلة.

أردت أن أخفف جسامة التهمة عن عمي إبراهيم فهو مظلوم، لذلك قلت لوالدي: "إن بعض الظن إثم يمكن عملها وهو مش واخد باله."

فرد والدي فغضب: "أنت مسطول ياولد ولا إيه؟ فيه حد يجيب جاز ويحفر تحت الجدر ويصب جاز ويردم وهو مش واخد باله؟"

قلت لنفسي: "والله أنا عملت اللي علي وحاولت أساعد عمي إبراهيم لكن أعمل إيه أبويا منشف دماغه."

أتت والدتي فوجدت والدي في حالة الغضب هذه فاستفسرت عن الموضوع فحكى لها والدي الحكاية، فقالت والدتي: "أنا طول عمري ما بارتحاش لمراته، ست كِشرية ووشها يقطع الخميرة من البيت."

إزداد حنق أبي وقال لأمي: "اصبري علي بس، أنا هأخليهم ينسوا اليوم اللي اتولدوا فيه."

فسألت: "هتعمل إيه؟"

فأجاب: "هأقدم بلاغ للبوليس."

ارتعدت فرائصي، فلو علم البوليس بالحادثة سيحقق في الموضوع ويمكن أن يكشف أمري، لذلك بادرت بالقول: "أزاي هتبلغ البوليس عليه؟ أنت شفته؟"

رد: "لأ."

قلت: "فيه شهود؟." رد: "لأ."

قلت: " يبقى البلاغ هيعمل إيه؟"

أجاب بعناد: "برضه هأبلغ عشان أديله درس ما ينساهوش."

قالت والدتي: "لكن ده يبقى بلاغ كاذب."

أنقذتني أمي وأهدتني بفرصة لإثنائه عن البلاغ  فقلت: "بكده هتدخل في سين وجيم، يا شيخ سلم أمرك لله."

صمت والدي قليلاً وقال: "والله ما أنا سايبه لازم أحرق دمه زي ما حرق دمي."

فقلت بتلهف: "هتعمل إيه؟"

قال: هأقرا عدية ياسين على اللي عمل العملية دي."

أجابت والدتي بسرعة: "أيوه كده. لو كان هو إللي عملها هياخد جزاءه، وإن ماكانش هو يبقي اللي عملها هو اللي هيتشل."

حينما سمعت ما ينوي والدي عمله أصابني رعب شديد فجف حلقي وتصلب لساني. فكم سمعت من حكايات عن عدية ياسين وكيف أن الشيخ بعدما يقرأها عدة مرات ويدعوا علي المجرم بالشلل أو العمى فتصيبه الدعوة حتى ولو كان في حضن أمه. حاولت أن أتكلم عدة مرات فلم يطاوعني لساني وأخيراً خرج من فمي صوت مسرسع يقول: "يا أبويا حرام. دا عنده عيال. المسامح كريم."

فرد والدي بإصرار: "ما هو ده اللي مبوظ البلد. ده يقول معلش وده المسامح كريم ونسيب المجرمين يعملوا اللي هم عاوزينه. أنا لازم أقرأ عدية ياسين."

توسلت لوالدي حتى لا يقرأ عدية ياسين ولكنه أبىَ وقال: يا أمين أنت بتدافع عنه ومش عايزه ينأذي عشان أنت قلبك طيب. لكن ما تفتكرش كل الناس زيك. الناس بره وحوش.

ردت والدتي مؤكدة على كلام أبي: "طبعاً، أمين قلبه طيب زي جده الله يرحمه."

قال والدي: " أنا رايح أصلي المغرب وهأفوت على الشيخ عطية الطبجي و أخليه يقرأ العدية وإنشاء الله بكره هتلاقوا إبراهيم أبو غنيمي مشلول."

قام والدي للصلاة وتبعته أمي وهي تنظف من على كتفيه التراب و تقول: "البس جلبية نضيفة أنت هتقابل الناس."

اغتظت من أمي جداً لقولها هذا، فأنا سوف أشل بعد ساعة وهي تقول البس جلبية نظيفة.

*     *       *

دخلت إلى حجرتي واستلقيت على سريري أفكر في المصيبة التي أنا فبها. قلت لنفسي: "لما الدعوة تصيبني واتشل، أكيد مافيش علاج لأن ده هيكون غضب من الله مش مرض، ولما أتشل يا تري الناس هتسميني إيه؟ أمين المشلول! وإزاي هألعب كره؟ ومين هجيب لي الأكل؟ و هأروح المدرسة أزاي؟ وأمي هتعمل معايا إيه؟ هتسبني ولا إيه؟" ملأت رأسي الهواجس وبدأ الرعب يملأ قلبي أكثر وأكثر. نظرت إلي ساعة الحائط فلاحظت أنه قد مر على خروج أبي عشر دقائق وهذه هي مدة صلاة المغرب. تخيلت كأني أرى أبي يلبس حذاءه ويتوجه إلي دار الشيخ الطبجي لقراءة عدية ياسين. رفعت يدي إلي السماء تضرعاً لله أن ينقذني ووعدته بأن هذه آخر مرة أفعل فيها شيء يغضبه. وقع في قلبي أن الله لن يستجيب لشخص مثلي فأصابني اليأس وأحسست أن لا حول لي ولا قوة، لكني ظللت أدعوا و أنا لا أحس بالوقت.

أحسست بتنميل في يدي اليمنى. نظرت إلي الساعة فوجدت أن ساعة قد مرت علي خروج أبي، بذلك يكون الشيخ الطبجي قد أنهى قراءة العدية وبدأت الدعوة تستجاب. أمسكت يدي اليمنى بيدي اليسرى ورفعتها فأحسست أنها ثقيلة فقلت لنفسي: "باين علي اتشليت." خفق قلبي بشدة وأسرع تنفسي و أحسست بضيق نفسي وكأن روحي ستخرج من بين ضلوعي.  تجاذبنني الأفكار السوداء وأيقنت أن مستقبلي صار مظلماً لا محالة. أردت أن أحرك رجلي اليمنى فأحسست بالتنميل فيها أيضاً. أيقنت أني قد شللت شللاً نصفياً، فنصفي الأيمن كله منمل. انقلبت على جانبي الأيسر، أغمضت عيني، شرد فكري، صال خيالي وجال فيما سيئول إليه مصيري الغامض.

 لا أدري كم ظللت على هذه الحال ولكن حين أفقت وجدت أن شقي الأيسر أيضا صار فيه تنميل شديد. أيقنت بما ليس فيه مجال للشك أنه قد أصابني شلل كلي. أشفقت علي نفسي وأحسست بالعجز. بدأت دموعي تسيل من عيني بغزارة وأنا الذي لا يبكي مهما كانت الظروف. أردت أن أمسح دموعي ولكن يدي لم تساعداني فتركتها تنهمر باستسلام العاجز.

دق جرس الباب ففتحت أمي وسمعت صوت أبي وهو يتحدث معها ولكني لم أتبين ما كان يقول. دخل عليّ والدي ووالدتي الحجرة فقالت لي والدتي وهي تلقي نظرة سريعة علي: "أمين، أنت نمت؟" لكن لم أستطيع الرد.

نظر والدي إلى عيني فوحداهما مفتوحتان فقال لأمي: الله دا أمين صاحي، عينيه مفتحة." ثم وجه كلامه لي وقال: "أمين أنا رحت للشيخ عطية الطبجي." ثم سكت حتى ينبهني إلى ما يقول.

لم أستطيع الرد فلقد شللت شللاً كاملا. وحينما أدركت والدتي أني لم أرد، اقتربت من وجهي فرأت الدموع تنهال من عيني فصرخت: "أمين! فيه إيه يا ابني؟ حصل إيه؟ أتكلم؟" و لكني لم أرد.

أقترب والدي من وجهي ورأى الدموع فقال: "أنا عارف ليه هو زعلان. صعبان عليه إبراهيم أبو غنيمي."

فردت أمي بحنق: "يزعل عليه ليه هو كان من بقية أهلنا."

استجمعت ما بقى في من قوة وقلت بصوت خفيض: "عمي إبراهيم غلبان عنده عيال عايز يربيهم. حرام يابا تعمل في كده."

رد والدي: "هو أنا عملت فيك حاجة؟ علي العموم يا سيدي ما تزعلش، أنا رحت للشيخ الطبجي وطلبت منه يقرأ لي عدية ياسين فأقنعني أني أفوض أمري لله وربنا هو المنتقم. وقال لي قول: حسبي الله ونعم الوكيل، وسيبه ضميره هيعزبه وهيعيش تعيس اغاية لما يموت. فمتخفش على إبراهيم أبو غنيمي يا سيدي."

 أحسست بأن الحياة بدأت تسري في عروقي وبدأ تنفسي ينتظم، فأنا لن أشل وسوف أعيش حياة طبيعية. لم أقلق من كلام الشيخ الطبجي، فبالنسبة للضمير فأنا كفيل به أما السعادة فأنا واثق أني لن أعدمها.  

حاولت الجلوس فلم أستطع فقام أبي وأمي بمساعدتي. بعد أن اعتدلت قلت: "المسامح كريم."

قالت والدتي: "عشان خاطرك أنت بس إحنا هنسامحه، لكن أنا كنت حالفة يمين تابع يمين إن عمري ما أحط لساني على لسان مراته أبداً."

لما رأي والدي إجهادي، قال والدي لأمي: " تعالي بره خليه يرتاح واعملي له كباية ينسون عشان تروق أعصابه."

خرج والدي مع والدتي وبعد أن أغلق الباب خلفه سمعته يقول لامي: "أمين ده ملاك طاهر. شفتي أزاي زعلان على إبراهيم أبو غنيمي."

ردت والدتي: "دا ابني قلبه طيب وأبيض زي اللبن الحليب."

قال والدي: "أنا كنت عارف إن أمين طيب وحنون لكن ما كنتش أعرف إن قلية نقي زي كده."

ردت والدتي بثقة: "أنا كنت عارفه كده من يوم ما حملت فيه. كان حمله سهل وخفيف زي النسمة، في يوم ولاته ما حستش بحاجة، لما الوجع بدأ راحت أمي نادت الحجة جازية الولادة، و يدوب مسافة السكة وصلت الحاجة جازية واستلقته على ايديها."

قال والدي بصوت فيه رجاء: "ربنا يخليه لنا و يبارك فيه. لو عندي عشرين عيل زي أمين أنا ما أزعلش."

ردت أمي بفخر: "كل عيالي حلوين يا خويا. دا الناس كلهم بيحسدوني عليهم."

رد والدي: "لكن محدش في طهر وطيبة قلب أمين."

أحضرت والدتي الينسون فشربته ونمت وكان آخر ما أحسست به هو دخول أمي الحجرة لتغطيني. قضيت ليلة هادئة ثم استيقظت في الصباح على نور الشمس ألمشرقه. امتلأ قلبي بالحيوية والنشاط. خرجت من حجرتي فوجت أمي قد جهزت لي طعام الإفطار الفخم والذي يشمل الجبن والقشدة والعسل وخصوصا البيض المقلي الذي أعشقه.

*     *       *

 بعد أن أكلت خرجت للعلب المباراة النهائية لدوري الحارات والتي هي أيضاً بين فريق حارة الخنانسة وفريقنا لتساوي النقاط. بدأت المباراة كالعادة بصراخ وتشجيع مشجعي كل فريق لفريقه. بعد محاولات عدة أحرز الفريق المنافس هدف صحيح دخل من منتصف مرمي فريقنا. بعدها قام فريقنا بإحراز هدف من ركلة أرضيه ركلها أحد مهاجمينا فدخلت في منتصف مرمى الفريق المنافس. أستمر اللعب حتى قرب نهاية الماتش ولم يحرز أي من الفريقين هدف جديد، وبقيت النتيجة التعادل.

 لكي أنهي المباراة لصالحنا قررت أن أستخدم طريقتنا المفضلة في التهديف فأومأت إلي حارس مرمانا أن يرمي لي كرة عالية على رأسي. رمى الحارس الكرة فضربتها برأسي في مرمي الخصم وفجأة علا الصراخ، فريقنا يصيح "جون جون،" والفريق الآخر يصيح "هاي، هاي فوق العارضة، فوق العارضة." علت أصوات تقسم بأغلظ الأيمان لتثبت صحة الهدف فقابلتها أيمان أشد غلظة لتثبت أن الهدف غير صحيح. بالرغم من هذه الأيمانات، لم يمكن حسم الأمر هذه المرة أيضاً.

أقترح أحد لاعبي الفريق المنافس اللجوء إليّ لأحكم في هذا الموضوع كما حكمت قبل ذلك في هدف المباراة السابقة. تردد فريقي في قبول تحكيمي خوفاً من ضميري الحي، لكنهم وافقوا مرغمين بعد أن اتهمهم الفريق الآخر بخوفهم من ظهور حقيقة أن الكرة هاي فوق العارضة وليست هدف.

هرول الجميع إلي مكاني وسألني كابتن الفريق المنافس: "ورحمة اللي ماتوا لك، ده جون ولا هاي؟"

أجبت دون تردد: "جون."

صرخ فريقنا وهم يرقصون: "جون، جون أخدنا الدوري، أخدنا الدوري."

قال لي كابتن الفريق الآخر مستنكراً: "حرام عليك يا أمين، دي كانت في السما."

قلت بحزم لكن دون أن أنظر إلى عينيه: "أنا بأقول الحق ولو على رقبتي. الكرة جون."

حملني المشجعون على أكتافهم وهتفوا: "يا أمين يا مدرسة، لعب وفن وهندسة." وبينما نحن هكذا لمحت والدي يتهادى كالعادة. حين وصل إلى مكاني نظر إلي وابتسم. هذه المرة لم أرى نظرته التي تمتد إلى ما لا نهاية وتخترق أعماقي. لم يطلب مني أن أسقي الشجر فأحسست بأن كابوساً قد رفع من فوق صدري. اندمجت في الاحتفال بفوز فريقي بالدوري بدون منغصات من أبي أو من الشجر.

بعد هذه الحادثة كان أبي بارداً في معاملته مع عمي إبراهيم أبو غنيمي فلم يحضر فرح أي من أولاده بالرغم من إرسال دعوة له. كان عمي إبراهيم يتساءل عن برود معاملة والدي له والتي لا يعرف لها سبب. حاول أن يعرف السبب فسألني ذات مرة عن سبب حزن والدي الدائم فأخبرته أنه ليس حزين ولكنه تعبان من العمل فقط، فلم يزد عن قول ربنا يساعده.

توفي عمي إبراهيم ولم يعلم بهذه القصة وأنه كان محورها. كما توفي والدي بعده بعشرين سنة وهو يعتقد أن عمي إبراهيم هو الجاني. فكان دائماً ما يذكر هذه القصة لأصحابه خصوصا عندما يذكرون وصية الله بالجار أو يذكرون المثل القائل "اتقي شر من أحسنت إليه".

*     *       *

 أما بالنسبة لي فلقد نجحت في الابتدائية ثم الإعدادية وبعدها الثانوية العامة. قدمت أورقي إلى مكتب تنسيق القبول بالجامعات فلم تقبلني إلا كلية الزراعة ولم أجد مكاناً لي في الكلية إلا في قسم البساتين. أضررت للالتحاق بهذه الكلية بالرغم من كراهيتي الشديدة للزراعة والبساتين ولكن هكذا كان قدري.  بعد تخرجي من كلية الزراعة وزعني مكتب العمل علي مزرعة بساتين مساحتها حوالي 300 فدان كمهندس زراعي. منذ أن بدأت في هذا العمل وأنا أكره كل صباح أضطر فيه للذهاب إليه. بذلك أصبح كل يوم قطعة من العذاب لي.

الأدهى والأمَر من ذلك هو ذلك الكابوس المزعج الذي أراه يوميا. فكل ليلة أحلم أني اسقي البستان كله بالدلو ولما أذهب لسقيه أكتشف أن أحدا صب على جذور الشجر كيروسين فيتملكني الخوف والرعب وأحس بالقهر وينقطع أنفاسي حتى تكاد روحي أن تخرج من بين ضلوعي فأصرخ ثم أستيقظ من نومي.

 يبدو أن عذابي اليومي في عملي وفي نومي ليس كافياً. فلقد اكتشفت أن قصة أكلي للجوافة ودخولي المستشفى لتفتيت البذور قد انتشرت في كل أنحاء القطر.

 سمعت أم تريد أن تقنع ابنها أن يشرب اللبن فقالت له: يا حبيبي ما تاكلش شيكولاته كتير واشرب اللبن و ما تعملش زي الولد الشقي اللي اسمه جوافة. الولد الشقي ما كانش بيسمع كلام مامته، لما تقول له اشرب اللبن، مكانش بيرضى وكان بيقول أنا بحب الجوافة بس. الولد الحش جوافة قعد ياكل جوافة لغاية ما بطنه وجعته. عشان كده مامته اخدته للدكتور اللي إدى له حقنة كبيرة خلته يعيط." بعدما سمع الطفل هذه القصة انقض على اللبن كالوحش الكاسر وبلعه بلعاً.

في البلدة التي أعمل فيها كان الفلاحين الذين يعملون في الإصلاح الزراعي معي يجلسون في الليل للتسامر ويتحسرون على أيام زمان الحلوة وما فيها من حكايات عجيبة. ولقد سمعت منهم قصة أمين جوافة الذي لا يأكل إلا الجوافة، فكانت أكلته في اليوم تلات شولة جوافة، وكان عشان يهضم كان لازم جاموسة تنطحه في بطنه بعد الأكل بساعتين عشان تفرتك بذور الجوافة اللي في بطنه وإلا يقعد يصرخ زي العيل.

سمعت أيضاً أن هناك إشاعة بأن سفاح الأطفال الذي ظهر في الصعيد هو أمين جوافة اللي كان بياكل ألأطفال لأنه كان فاكرهم جوافة. أحسست بعد ذلك بأني أصبحت مثل أبو رجل مسلوخة.

*     *       *

عنما ضاقت بي السبل و أحسست أني محاصر في هذه الدنيا ولا أرى من ذلك مخرجا، قررت الزهد في الدنيا. أشار علي صديق لي أن أجالس الصالحين والزهاد من الناس حتى أرى الدنيا على حقيقتها فأزهد فيها وأنا مطمئن القلب. عندما وجد أن فكرته لقت قبولا لدي اقترح علي أن نذهب لزيارة مقام الشيخ أبو خليل في مدينة الزقازيق، حيث تقام حلقات الذكر ويلقى درس علي الحضور من أحد العارفين بالله. بعد أن أجبته بالموافقة قمنا على الفور بزيارة مقام الشيخ وبعدها حضرنا حلقتي ذكر حتى أذن المغرب. بعد صلاة المغرب جلس شيخ الطريقة الخليلية ليلقي درساً علي الحاضرين. جلس الناس كأن على رؤوسهم الطير يستمعون إلى شيخهم.

قل الشيخ: اليوم سنتكلم على مرض حب الدنيا وكيف انه يمكن أن يهلك أتقى عباد الله. اعتدل الشيخ في جلسته وقال: يحكى أنه كان في بني إسرائيل رجل عابد زاهد عبد الله 70 خريفا لم يعصه فيهم قط. وفي يوم أتى له رجل وقال له: "يا فلان لقد عبدت الله سبعين خريفا تتقوت على كسرة من خبز وكوب من ماء ألم يحن الوقت لكي تتمتع بأنعم ربك؟" فأجاب الزاهد:  "أنا راضي وشاكر بما قسم الله لي من رزق." فقال الرجل: "وما يمنعك من الشكر إن أنعم الله عليك من فضله فالله يحب الفقير الشاكر وحبه للغني الشاكر أكثر؟" فأجاب الزاهد: "أنا أخاف فتنة النعمة وأخاف ألا أؤدي شكرها." فقال الرجل: "أنت وشأنك “ تم أخرج جوافة من جيبه وبدأ يأكل فيها. عندما شم الزاهد رائحة الجوافة طلبتها نفسه، ولما أحس الرجل بذلك أعطاه واحدة وقال: "إنها هدية لك إن شئت أكلتها وإن شئت أهديتها“، ثم تركه وانصرف. أما الزاهد فقد حدثته نفسه أن يتذوقها، فلما فعل أعجبه طعمها وتمنى أن يكون له بستانا من الفاكهة حتى يتمتع كما يتمتع الناس.

وبينما الزاهد على هذه الحال أتى له رجل حسن الهيئة والثياب فقال له: "أيها الرجل الصالح أصابني الضر من مرض لا شفاء لي منه إلا عندك." فقال الزاهد "وما هو مرضك؟" قال الرجل: "جلد به مكروه." فقال الزاهد: "وما علاجه الذي عندي." فقال الرجل "أن ألبس ثوبك الذي نمت فيه الليلة والذي بلله عرق جسدك الطاهر." فقال الزاهد: "هو لك." فقال الرجل: "لا آخذه إلا بحقه." فقال الزاهد: "وما حقه" قال الرجل: "لقد نذرت أن أعطي من يشفيني من هذا المرض أحب ضياعي لي." فقال الزاهد: "قبلت،" وأعطاه الثوب وأخذ عقد البيع.

ذهب الزاهد ليرى ضيعته فوجد فيها بستانا ملئ بالتفاح والعنب والجوافة، ولما اشتم رائحة الجوافة انقض عليها وأكل منها حتى امتلأت بطنه. وبعد ساعة من الزمن أراد أن يقضي حاجته فلم يستطيع لأن بذور الجوافة كونت كرة عظيمة لا يمكن إخراجها. أتوا له بكل الأطباء فلم ينجح أحد في إخراجها.  ازداد الألم على الزاهد حتى كادت تفيض روحه. وبينما هو على هذا الحال مر على البستان رجل رث الثياب عليه غبار السفر، فلما علم ما حدث للزاهد قال له: "أنا أستطيع أن أيسر عليك قضاء حاجتك فكم تدفع؟" قال الزاهد: "دينار"، فرفض الرجل، فقال: "ديناران“، فرفض الرجل. فظل الزاهد برفع السعر والرجل يرفض، وكلما طال الوقت زاد الألم. قال الرجل كم يساوي عندك دخول الحمام؟" فقال الزاهد وهو يتألم :الدنيا وما فيها." فقال الرجل أنت لا تملك كل الدنيا ولكني سأكتفي بما تملك فيها." فقال الزاهد أنا أملك هذا البستان فإن استطعت أن تجعلني أقضي حاجتي فهذا البستان لك." فأعطاه الرجل شراباً فشربه فكسر الكرة التي في بطنه واستطاع الزاهد أن يقضى حاجته، وأخذ الرجل الحديقة.

أحس الزاهد بأن ألسَكينة والسعادة التي كان يحس بها في الماضي قد فارقته، فأسف على ذلك وتمنى أن تعود حياته على ما كانت عليه. وبينما هو ذاهب إلي صومعته قابله الرجل الذي أعطاه البستان وسأله: ألا تعرفني؟" فرد الزاهد :"أنت من باع لي البستان." فقال الرجل "نعم، ولكن أنا أيضاً من أغراك بأكل الجوافة، فكيف وجدت البستان؟" فرد الزاهد: "لا يساوي قضاء حاجة الرجل." فقال الرجل: "وهكذا الدنيا."

 ويكمل راوي هذه القصة شيخ الطريقة الخليلية بقوله: "لقد سمعت أن بعض الصالحين من أهل الزهد يقولون أن الشجرة التي أخرجت آدم من الجنة ليست شجرة التفاح ولكنها شجرة الجوافة."

هكذا أصبح نهاري عذاب وليلي جحيم وقصتي تلوكها الألسن وتتخذ عبرة لمن يعتبر أو لا يعتبر. حاولت الهروب من الدنيا إلى عالم الزهاد فلم أجد لي مأوى فيه. فهل من أحد عنده مأوى لمعذب مثلي؟

أنتهت.

د. إبراهيم محمد عبد المطلب

 


 
 
 

 © 2003 Ibrahim Abdel-Motaleb


 

 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors. 
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors, 
who bear the sole responsibility of the content of their work.
 

MAIN PAGE

 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY