كان والدي متديناً قلباً وقالباً منذ الصغر. حينما كان في الخامسة من عمره لم تكن له غير أمنيتان: الأولى أن يتعلم الصلاة و الثانية أن يستطيع الذهاب إلى مدينة الزقازيق وحده دون أن يضل الطريق. ومنذ أن تعلم الصلاة لم ينقطع عن تأديتها طوال حياته. لذلك حظي بثقة الجميع وأشتهر بالعدل والأمانة.

كان والدي يشدد على ثلاثة فضائل وهن: المواظبة علي الصلاة و العدل والتمسك بمكارم الأخلاق. أما الصلاة فكان يرى أنها توصل إلي التقوى، والتقوى توصل إلى رضا الرب، ومن رضي عنه الرب رضي عنه العبد. أما العدل فكان يرى أنه يُخرج الطمع من قلب الإنسان ويجبل على الإنصاف، و من كان هذا حاله أحبه الله والناس. أما الأخلاق الحميدة فكان يرى أنها تؤدي إلي حياة سعيدة في الدنيا والآخرة. و كان دائما يذكر حديث الرسول: إنما بعثت لأتمم مكارم ألأخلاق.

لذلك لم يكن مستغرباً أن يكون جل هم والدي أن يعلم أولاده العبادات و ينشئهم على العدل ومكارم الأخلاق وإنكار ألذات ليحميهم من المعاصي و الزلات.  أما الصلاة فعلمها لنا صغاراً وحاول أن يجعلنا نواظب عليها كباراً. أما العدل فلم نكن في سن تمكننا من أن نمارسه ولكنه كان يحاول أن يغرسه فينما مع ما يغرس من مكارم الأخلاق. أما مكارم الأخلاق فكان لا يفتأ أن يذكرنا بها عشية وضحاها. 

كان والدي يستخدم معنا وسائل عدة حتى يصلُ إلى غايته: فمرة يستخدم الترغيب، وأخرى الترهيب، وثالثة النصيحة، ورابعة القدوة. فللترغيب كان يقص علينا قصص الجنة وما فيها من نعيم مقيم وسرر وأرائك من سندس وإستبرق وأباريق من ذهب وفضة. كانت هذه القصص تأتي أكلها في البداية، ثم زال تأثيرها بعد ذلك. عندما أحس الدي بأن النعيم لم يعد له أثر، بدأ يقص علينا قصص الجحيم في جهنم وما فيها من عذاب السعير، توعدنا بالشرب من ماء الحميم والأكل من شجرة الزقوم التي طلعها كرؤوس الشياطين.

بعد فترة فقدت هذه القصص تأثيرها هي الأخرى، لذلك لجأ والدي إلي وسائل أكثر تقدماً. فقد علم أن التهديد الصريح لن يجدي وربما يأتي بتأثير عكسي، لذلك لجأ إلى التهديد المبطن بطريقة مبتكرة. كان والدي يصلي الفجر في الحجرة التي بجانب حجرتي. بعد أن ينتهي من الصلاة كان يختمها. وأثناء ذلك كان يدق على الحائط الفاصل ليوقظني. لكني كنت أتظاهر بالنوم العميق، عندما لم يجد والدي مني استجابة قام بلبس القبقاب ومشي به على البلاط أمام حجرتي. عندما سمعت دقات القبقاب قمت مفزوعاً لشعوري بأن ضربات القبقاب ستنهال علي رأسي بعد لحظات. بالرغم من علمي أن هذا لن يحدث لكني كنت أستيقظ من خوفي من مجرد احتمال انهيال القبقاب علي نفوخي. بعد فترة وجدت حلاً لهذه المشكلة وهي أن وضعت قطناً في أذني فلم أعد أسمع وقع دقات القبقاب ولا اضطر للقيام من النوم اللذيذ.

لما أحس والدي أن قصص الجنة والنار والتهديد الصريح و المبطن لا يجدي قال لنفسه "إن كبر أبنك خاوية." ولم لا وهو يعتقد أني كالعفريت يجب أن يخاويني. لذلك بدأ ينصحني بلطف فأستمع إليه بأدب و لكن ما يقوله كان يدخل من أذن ويخرج من الأخرى. ولما أحس بذلك بدأ يتوعدني بالثبور وعظائم ألأمور والفشل في الدنيا والندم  في الآخرة. كان يستشهد بالآيات فيقول: "يا أمين اتقي يوماً لا ينفع قيه مال ولا بنون ويوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت و تضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب ربك شديد." فكنت أرد عليه بمنتهى الهدوء: يا والدي ما تخافش "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذ اهتديتم." عند ذلك علم والدي أنه ربما ختم الله على قلبي بغشاوة وأن كان لم ييأس من رحمة الله.

بعد أن يئس من إصلاحي أوكل أمره لله وقال "حسبي الله ونعم الوكيل" حقاً "إنك لن تهدي من أحببت". لم يبقي أمام والدي إلا النصيحة المبطنة من أشخاص أثق أنا فيهم. لذلك غمر والدي الفرح حينما ساق الله له الشيخ عبد الرازق أبو شعيب ليتولى مهمة النصيحة لي.

*     *       *

كان أول يوم رأيت فيه الشيخ عبد الرازق هو يوم خميس في بداية شهر أبريل عندما كنت في الحادية عشرة من عمري. في هذا الوقت تتزين بلدتنا بثياب ملون من الزهور، ويتعطر جوها بعبق الورود والرياحين، ويداعب نسيمها الأشجار فتنبثق موسيقي ملائكية معزوفة بآلات ربانية. لذلك في الربيع كنا دائما نحس بأن أرواحنا تسمو إلى عنان السماء.

كنت أنتظر يوم الخميس بفارغ الصبر. ففي هذا اليوم يزورنا أصحاب والدي الذين كان يسعدني جداً الجلوس معهم، لأستمع إلى رواياتهم الجميلة عن ما صادفهم من أحداث أو عما سمعوه من غريب الأخبار والأفعال. و عادتنا أنه في يوم الخميس نطبخ أفضل أنواع الطعام نتيجة لتوفر اللحم عند الجزارين في ذلك، بعد أن منع طوال الأسبوع بأمر من الحكومة. ويوم الخميس أيضاً هو اليوم الذي كان يسمح لنا فيه بالسهر إلى ساعة متأخرة من الليل، فاليوم التالي هو يوم الجمعة ألأجازة الأسبوعية و نستطيع أن ننام حتى ساعة متأخرة من الصباح.

اقتربت من البيت وعيني وأذني مسلطتان على الشرفة (الفرندة أو البرندة)، حيث مكان جلوس أبي مع أصدقائه، لعلي أعرف من هو ضيفنا اليوم. كانت شرفة منزلنا في موقع فريد حيث تدفئها شمس الصباح في الصبح، ويلفحها نسيم الهواء البحري في المساء. كانت الشرفة تطل على حديقة لمنزلنا فيها خمسة عنبات من العنب الرومي والبناتي والبلدي بالإضافة إلي شجرة تين برشومي وصف طويل من التين ألشوكي يقع على طول الجانب الجنوبي من الحديقة. في كل مساء كنا نملأ أباريق الماء الفخارية ونضعها على سور الشرفة لكي تبرد الماء. لذلك كان الجالس في شرفتنا يمتع عينيه بالخضرة وأنفه برائحة زهور الفاكهة ووجنته بلمسات النسيم ولسانه بالماء العذب. أي أنه كانت توجد الخضرة والماء ولم يبقى إلا الوجه الحسن.

دخلت الشرفة فوجدت مع أبي شخص لا أعرفه من قبل وكانا جالسين علي سجادة ومن خلف كل واحد مسند من مساند الكنبة العربي التي في صالة منزلنا. قابلني أبي بابتسامة ودية مليئة بالحب والفخر وقال: "أمين! أنت جيت؟ دا إحنا مستنينيك يا راجل من مدة. تعالى سلم على عمك الشيخ عبد الرازق أبو شعيب."

مددت يدي وسلمت على الشيخ فرد السلام ثم ربت على الأرض وقال وهو يبتسم: "أقعد يا أمين جنبي."

جلست بجانبه وأسندت ظهري إلى المسند. نظر والدي إلى الشيخ وابتسم قائلاً: " أهو ده أمين اللي قلت لك عليه يا شيخ عبده."

ربت الشيخ على كتفي وقال: " ما شاء الله، أمين ده باين عليه التدين و الصلاح. سيماهم في وجوههم."

سأل الشيخ ببشاشة: "أنت في سنة إيه في المدرسة يا أمين؟"

"في سنة خمسة." أجبت وآنا أنظر إلى الأرض.

"ما شاء الله." رد الشيخ، "باين هيكون لك مستقبل عظيم يا أمين" أكمل الشيخ.

"اللهم آمين." عقب والدي.

نظر والدي إلى باب الصالة كأنه يتوقع أحداً يخرج منه ثم قال: "الشاي يا أولاد.” صمت برهة ثم وجه كلامه لي قائلاً: " أمين، روح شوف الشاي تأخر ليه."

 وبنما أنا أعد الشاي في الصالة قرب باب الشرفة سمعت أبي يقول للشيخ: "أمين كبر يا شيخ عبده، وأنا عايز يدنه مستقيم على طول."

رد الشيخ: "ما تخافش يا عم صالح. لو نعرف مين أصحابه نقدر نعرف هو بيعمل إيه."

كانت فلسفة الشيخ عبد الرازق في الإصلاح هي أن يكسب ثقة الشباب ويحافظ على أسرارهم، خاصة المخطئ منهم، ومن خلال هذه الثقة يستطيع أن يؤثر على سلوكياتهم ويتمكن من إصلاح اعوجاجهم. وكانت نظريته في الوعظ هي ربط الدين بواقع ومشاكل الحياة العصرية للشاب. 

دخلت بصينية الشاي إلى الشرفة وقدمت لكل فرد كوب شاي فشكرني الشيخ، ثم أخذ عدة رشفات من الشاي متذوقاً كل رشفة لبرهة ثم قال بصورة عفوية: "لكن قولي يا أمين ما لكش أصحاب؟"

أجبت بثقة: " دا أنا أصحابي كتار قوي."

أستفسر الشيخ قائلاً: "مين أعز أصحابك؟"

"نجيب " ثم أكملت بحزن بادٍ: "بس نجيب خلاص ما عدش صاحبي."

سأل والدي: "ليه يا أمين؟"

اعتدلت في جلستي وحكيت القصة: "أول إمبارح نسيت آخذ مصروفي وأنا رايح المدرسة. لما عرفت كده رحت لنجيب عشان أستلف منه قرش عشان أشتري سندوتش لكن ما رضيش وقال أمي قالت: السلف تلف والرد خسارة."

قال الشيخ: "وأنت عملت إيه؟"

"مفيش انغظت منه. لكن إنهارده عملت فيه فصل."

رد الشيخ: "ازاي؟"

أجبت بفخر: "رحت أشتري سندوتش أنا وهو. بعد الراجل ما عمل لنا السندوتشات أنا دفعت تمن سندوتشاتي لكن هو ما ليقيش معه فلوس. ولما حب يستلف مني قلت له السلف تلف والرد خسارة"

"وعمل إيه؟" سال الشيخ باهتمام.

أجبت بابتسامة لها مغزى: "الرجل كان هيضربه وقاله لو جيت هنا تاني هأكسر راسك."

قال والدي: " ما لكش حق في اللي عملته مع صاحبك يا أمين. الرسول أمرنا أن نعامل الناس كما نحب أن نعامل. اللي أنت عملته مش من الشهامة. ما كانش مفروض انك تسيب صاحبك في زنقه زي دي وأنت تقدر تساعده. لازم تكون دايماً شهم."

فاعترضت قائلاً: " ما هو برضه ما رضيش يسلفني وكان ندل؟"

رد والدي مؤكداً: "حتى ولو كان التاني ندل."

علق الشيخ قائلاً: "أحنا عرب يا أمين والعرب أكرم ناس، والكريم يدي غيره حتى ولو هو محتاج."

أجبت باستغراب: "أزاي الواحد يكون محتاج حاجة ويديها لغيره. أنا مش مصدق الكلام ده."

ابتسم الشيخ عبد الرازق وقال: "شوف يا أمين، أنا هأحكي لك حكاية حصلت واحكم أنت بنفسك." اعتدل الشيخ في جلسته ورفع المسند قليلاً ثم قال بصوته الرخيم الجذاب: "ذكرت لنا أحدي الصحابيات أنها كانت تخرج في الغزوات مع جيش المسلمين لكي تعتني بجرحى المسلمين تضمد جراحهم وتسقيهم وتشوف مصالحهم. وفي معركة من المعارك كان الحر شديد والمعركة على أشدها. في المعركة دي أنجرح عدد كبير من الصحابة بجروح خطيرة. لما جت الصحابية عشان تسقي الجريح ألأول قال لها اسقي الجريح اللي جانبي هو محتاج يشرب أكتر مني. راحت للي جنبه عشان تسقيه فقال أسقي الجريح اللي جانبي هو محتاج يشرب أكتر مني. راحت للي جنبه فقال لها نفس الشيء لغاية لما وصلت لآخر واحد فقال لها اسقي الجريح الأول هو محتاج يشرب أكتر مني. راحت للأول لقيته مات، فراحت للتاني فلقيته مات، وكل ما تروح لواحد تلاقيه مات، لغاية لما وصلت لآخر واحد فلقيته مات."

قال والدي: "شفت الشهامة يا سي أمين. لو حد طلب منك حاجة وتقدر تعملها أعملها، وحتى لو ما طلبشي وعرفت انه محتاج لازم تساعده"

قلت: "لكن كلهم ماتوا."

رد والدي: "المهم يا أمين التضحية وإنكار الذات. عشان كده أجدادنا نجحوا وتقدموا"

قلت: "لكن كلهم ماتوا. لو كان الأول شرب وبعده التاني والتالت والرابع كان كلهم عاشوا."

رد الشيخ عبد الرازق بهدوء: "يا أمين المهم المبدأ، إحنا من غير مبادئ نضيع، أتمنى إنك تكون فهمت المقصود."   

بينما نحن نتحدث عن الصحابة وتضحياتهم سمعنا طرق على الباب فقمت لأرى من الطارق. وبينما أنا في طريقي لفتح الباب علق والدي قائلاً: "أمين ده لما مخه بتصَلّب

ما فيش حد يقدر يقنعه".

أجاب الشيخ: "يا عم صالح أمين لسه صغير وما يدركش المعاني دي، أصبر بس عليه شوية".  

*     *       *

 فتحت الباب فوجدت عمي محمد البنهاوي وزوجته أم عطيات وابنته عطيات على الباب. صحت وأنا أوسع لهم حتى يدخلوا: "أهلا وسهلاً عمي محمد البنهاوي. أتفضل."

دخل الضيوف، فقام والدي لاستقبالهم والسلام عليهم، وأخذ عمي محمد إلى حيث يجلس الشيخ عبد الرازق حيث قدمهم لبعضهم البعض، ثم أمرني أن أدخل عطيات وأمها إلى الداخل حتى يجلسوا مع النساء، ففعلت.

عمي محمد البنهاوي كان صديق والدي الحميم منذ أن توظفا في مصلحة المساحة. كنا نقوم بزيارتهم عدة مرات في العام حيث نقضي سهرتنا معهم حتى منتصف الليل. كان عمي محمد يرد زياراتنا له بزيارات مماثلة. كانت هذه الزيارات بالنسبة لي كأعياد أنتظرها على أحر من الجمر. سهل هذه الزيارات قرب منزله من منزلنا، حيث المسافة لا تزيد عن 2 كيلو مترا تقريباً، فمنزله يقع في أول مدينة الزقازيق من جهة بلدتنا.

أما عطيات فكانت في عمري وملتحقة بالصف الخامس أيضا. توطدت علاقتي بها من كثرة زيارات العائلتين بعضهم بعضاً ومن زيارتي الشخصية لهم عندما أذهب إلي مدينة الزقازيق للذهاب إلى ألمستشفى.

بمجرد وصول عمي محمد مدت المائدة وبدأنا تناول الطعام. تجاذبنا أطراف الحديث أثناء العشاء حيث بدأ والدي بتوجيه الكلام لعمي محمد قائلاً: " كويس انك جيت زي ما وعدت." ثم أشار بيده إلي الشيخ عبد الرازق وقال: "الشيخ عبد الرازق واهب نفسه لمساعدة الشباب وحل مشاكلهم."

"ونعم العمل. الشباب محتاج الإرشاد و إلا هيضيع. " رد عمي محمد.

هز الشيخ رأسه موافقاً وقال: "المهمة دي مكلفني بيها الرسول عليه الصلاة والسلام."

قال عمي محمد باستغراب: "ازاي؟"

قال الشيخ عبد الرازق: "أنا الحمد لله مبسوط مالياً وعندي أرضي بتكفيني وبتفيض. وبعد ما تخرجت من المعهد الديني ألأزهري ندرت نفسي لعبادة الله، أقوم الليل وأصوم النهار. استمريت على كده يجي خمستاشر سنه. وفي يوم وأنا بتهجد في جوف الليل غفلت عيني غفوة بسيطة. شفت في الغفوة دي الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو يزيح سجادة الصلاة من قدامي ويقول: أخرج للناس. هذا ليس مكانك. فقلت وأنا أرتعش من هيبة الرسول: يا رسول الله أنا نذرت نفسي لعبادة الله. فرد: مساعدة الناس وإصلاحهم أكبر عبادة لله.  صحيت من الغفوة وأنا لسه بأترعش ومن يومها قررت أن أخرج للناس، خاصة الشباب المراهق عشان آخد بيده في المِحَن."

قال عمي محمد: "فعلا إصلاح الشباب هو أكبر عبادة. ربنا يوفقك يا شيخ عبده."

أكمل الشيخ قائلاً: "مشكلة الوعاظ إنهارده أنهم ما بيربطوش الدين بمشاكل الشباب، تلاقي الواحد منهم بيدي محاضره ساعتين عن أحكام العبد الآبق." ثم ضحك وقال: "هو فيه خدامين أنهاره عشان يبقي فيه عبيد عشان يأبقوا ولا ما يأبقوش."

فضحك الجميع.

*     *       *

أذن مؤذن المسجد لصلاة العشاء فقنا للصلاة وأمنا الشيخ عبد الرازق للصلاة حيث قرأ الفاتحة بصوت رخيم جميل مبكي ثم قرأ في الركعة الأولى آيات فيها "ومن يتقي الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب" وقرأ في الثانية سورة الماعون حتى قوله تعالى "الذين هم يراءون ويمنعون الماعون."

بعد أن ختم الجميع الصلاة سألت الشيخ: "يعني إيه: "ومن يتقي الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب."

أضاء وجه أبي لاهتمامي المفاجئ بالدين. أما الشيخ أسند ظهره للمسند وصمت قليلاً كأنه يفكر فيما سيقوله لكي يطبق نظريته بربط الدين بمشاكل الشاب، ثم قال: "أنت يا أمين مش بتذاكر عشان تنجح في الامتحان؟"

هززت رأسي علامة الموافقة, فأردف قائلاً: "أنت لو اتقيت ربنا، ربنا هيخليك تفتكر إلي ذاكرته في الامتحان، وبكده يكون لك مخرج للنجاح."

بدت علامات الرضا على والدي من شرح الشيخ ولكني لم أعلق على ما قال. أحس الشيخ باني لست مقتنعاً فأراد أن يواجهني بحجة دامغة فقال: " الإمام الشافعي نفسه شكي لشيخه وكيع نفس المشكلة فقال:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي    فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نور              ونور الله لا يهدى لعاص

لم أبدي الحماس الذي توقعه الشيخ فأراد أن يعطيني مثلاً قريب من واقعي فقال:  "بلاش الأمام الشافعي، أنا هأحكي لك حكاية أنا شفتها بنفسي. في واحد قريبي أسمه كمال. سنه 28 سنة ومتجوز وعنده عيلين وبيشتغل في مصلحة البريد لكنه بيذاكر الثانوية العامة انتساب عشان يحسن من وضعه. كمال ده كله تقوى وورع. ما بيسبش فرض، بيصوم اتنين وخميس، دا أنا لما بأشوفه وهو يتهجد بالليل بأحس بالتقصير في حق الله. الغريب إن كمال ده ما بيذاكرشي إلا ساعتين في اليوم بس بياكل فيهم الكتب أكل."

رد والدي: "ما شاء الله... نور الله لا يهدى لعاص."

ابتسم الشيخ ابتسامة عريضة ثم أكمل: "دا الأغرب من كده كله أنه في ليلة كل امتحان بيشوف ورقة الأسئلة في المنام."

قلت: "وحل الأسئلة كلها صح؟"

أجاب الشيخ: "بالمسطرة. ما فيهاش ولا غلطه. المراقب كان عمال يحوم حواليه ويقول له: أنت مالك زي الوحش في الإجابة كده. دا الطالب اللي جنبك مش عارف يكتب حاجه."

سألت بشغف: "وجاب مجموع كام؟"

أجاب الشيخ بأسى: "سقط المسكين."

قال وادي متسائلاً: "أزاي ده حصل؟ هو شاف في لمنام أسئلة السنة اللي فاتت ولا إيه؟"

حاول عمي محمد أن يساعدً في حل اللغز فقال: " يمكن يا شيخ عبد الرازق كمال شاف امتحان الدبلوم مش الثانوية؟"

أردت أن أدلو بدلوي فقلت: "ولا يمكن امتحانات نص السنة."

رد الشيخ بثقة بالغة: "كمال بيحلف يمين تابع يمين إن الأسئلة هي ما تغيرش فيها حرف واحد."

"و لماحلها كها صح وسقط ما اشتكاش ليه؟" سال عمي محمد.

"أنا سألته فقال يا عم الشيخ عبد الرازق دي أكيد بفعل فاعل و لو اشتكيت هيتحدوني ويبقي عمري ما هأعدي الثانوية. المراقبين يا عم الشيخ بدلوا ورقتي بورقة الولد اللي جنبي. لأن أنا سقط والولد اللي ما كانش عارف يكتب حاجه نجح "

قال عمي محمد: "ما عادش فيه ضمير، خلاص. لا حول ولا قوة إلا بالله...لا حول ولا قوة إلا بالله. وهو عامل إيه دلوقتي؟"

"منهار." أجاب الشيخ.

"ينهار ليه؟ يعيدها السنة الجاية يا سيدي." عقب عمي محمد.

"المسكين بقاله 8 سنين يسقط في الثانوية لما نفسيته أتحطمت." قال الشيخ بحزن.

"الله يكون في عونه. لكن طالما هو تقي فربنا هياخد بيده" علق والدي.

بدأت أحس بمشكلتي، فسوف أمتحن امتحان الابتدائية السنة القادمة وعشان أنجح لازم أتقي الله لذلك سألت: "لكن الواحد يتقي الله أزاي؟"

أحس الشيخ أن طريقة في الوعظ قد أتت أكلها فأراد أن يجيب على سؤالي بأخذ مثال آخر من واقع حالي فقال: "تقوى الله لها أشكال كتيرة. مثلا لو كنت سلفت صحبك نجيب تمن السندوتش كنت تبقى من المتقين. مساعدة صاحبك في المذاكرة من التقوى. مساعدة المحتاج من التقوى، أي حاجه كويسة تعملها هي تقوي."

هززت رأسي علامة علي فهم المقصود فابتسم الشيخ دليلاً على الرضا عما أنجز معي لكني أحسست بأني أضعت فرصة ذهبية للحصول على التقوى حينما رفضت تسليف نجيب ثمن السندوتش. لذلك صممت أن أعوض هذه الفرصة في أقرب وقت.

أثنى والدي وعمي محمد على ما قاله الشيخ ثم طلب مني والدي أن أحضر الشاي فأحضرته وصببته وقلبت السكر على حسب الطلب ثم وزعته. بعد أن أطمئن الجميع على مذاق الشاي. قال والدي: "عندك يا أمين سؤال تاني، دي فرصه والشيخ عبد الرازق موجود."

صمت أفكر ثم سألت: "يعني إيه يمنعون الماعون؟"

وضع الشيخ الشاي علي الأرض وومضت عيناه لأنه سوف يثبت نظريته بمثال آخر واقعي لذلك قال: "الماعون هو كل ما يستعان به لقضاء حاجة. مثلاً لو واحد كان محتاج حلة أو طاسة والتاني ما رضيش يسلفها له فيكون من الذين يمنعون الماعون. الذين يمنعون الماعون الله غضبان منهم لأنهم ما بيساعدوش المحتاج. ودول غير متقين."

فقلت: "المواعين بالذات هي اللي لازم نسلفها للمحتاج؟"

أجاب بابتسامة عريضة: " مش بالذات، ممكن يكون الواحد يحتاج منخل ولا غربال ولا مشنة"

فأكمل والدي: "ولا طاسة ولا أبريق ولا صينية."

فدخل عمي محمد في المزايدة وقال: "ولا فاس ولا بلطة ولا منجل."

فأردت أن أساهم في المعركة أيضاً فقلت: "ولا مشط ولا فلاية."

فقال الشيخ وهو يبتسم: "بس لو الناس استلفت أمشاط وفلايات الهرش هيزيد يا عم أمين. مش كده ولا إيه؟" أكمل الشيخ كلامه فقال: "الأشياء الخاصة زي الفلايات المفروض ما تتسلفش، لكن حاجة زي قلم، مسطرة،  كراسة، كتاب، يجب علينا إننا نسلفها للمحتاج."

أومأت برأسي موافقاً وقلت: فهمت." شعر الجميع بالارتياح. بعد ذلك قاموا بالحديث في أمور لا أتذكرها لأني لم أعير لها اهتمام.

بعد أن شربنا الشاي أستأذن الشيخ عبد الرازق في الانصراف، فأذن له والدي بعد الإصرار عليه أن يبقي لأن الوقت ليس متأخر، وأننا لم نشبع من جلسته بعد، وأننا لا نراه إلا كل حين ومين وغيرها من الأسباب.

 

*     *       *

بعد ذهاب الشيخ خرجت مع عطيات إلى حديقة البيت وجلسنا تحت تكعيبة العنب. كان الجو يميل قليلاً إلى البرودة وكانت هذه البرودة تُسري في أبداننا قشعريرة عذبة منعشه، كانت السماء صافيه ترى فيها النجوم ظاهرة كأنها تراقبنا.

نظرت إليّ عطيات وضحكت، فأضفت ضحكتها عذوبة على الجو والمكان. سألتها: "بتضحكي على إيه؟"

ردت: "بأضحك عليك."

"ليه؟" سألت باستغراب.

قالت: "فاكر الصيف اللي فات لما كنت بتيجي بيتنا قبل الظهر وفي إيدك بطيخة."

أجبت: "آه. أنا كنت بأروح أخد حقن البلهارسيا 21 حقنة طراطير." ثم أردفت بحرج بعد أن تذكرت ضحكتها: "هو أنت كنت بتضايقي؟"

"لا." أجابت بسرعة ثم أكملت: "لكن ليه كنت بتجيب بطيخة معاك؟"

أجبت: "الدنيا بتكون حر فبدل ما أشتري سندوتش بأجيب بطيخة عشان تطري على قلبي."

ابتسمت وقالت: "كنت بتنقي البطيخة أزاي."

قلت: "زي الناس. بأخبط عليها شوية وأسمع للخبط وأشتريها."

قالت: "وبتعرف الحمرة من القرعة ازاي؟"

قلت: "من الصوت. الحمرة لها صوت والقرعة لها صوت.

قالت: "وكنت بتقدر تفرق بينهم؟"

قلت: "طبعاً هو أنا عبيط، مش كان كل البطيخ اللي بأشتريه بيطلع أحمر؟"

ردت وهي تضحك: "أبدا كان دايماً يطلع أقرع."

لم أصدق وقلت: "بس البطيخ اللي كنت بأكله معاكي كان أحمر."

ضحكت وقالت "البطيخ اللي كنت بتآكله كان بطيخ من عندنا. لما كنا بنلاقي بطيختك قرعة كنا بنقدم لك بطيخ أحمر من عندنا عشان ما نزعلكش."

أحمر وجهي خجلاً من هذا الموقف، فلقد حاولت أن أوهم نفسي أن لدي أذنان حساستان بالرغم من علمي أن أذني لم بكونا في يوم من الأيام موسيقيتان بحيث يستطيعا التفريق بين البطيخ الأحمر والأقرع. لاحظت عطيات خجلي فأرادت أن تخفف علي الموقف فسألتني: "عامل إيه في المدرسة؟"

أجبت: "شاطر في كل المواد. مُدَرِستنا ألأبله أمينة بتشرح كويس خالص؟"

سألتها: "وأنت عامله إيه؟"

ردت بنبرة أسى: "كله كويس ما عدا الجغرافية."

"مش معنى الجغرافية؟" سألت باهتمام واضح.

أجابت بحزن: "أصل كتاب الجغرافية بتاعي ضاع."

قلت بتأثر: "ما دورتيش عليه ليه؟"

"قلبت الدنيا عليه لكن مفيش فايدة." أجابت.

قلت: "وهتعملي إيه؟"

"مش عارفة." أجابت.

صمتت وكأنها تفكر في مصيبتها وجلست بجوارها لا أدري ماذا أفعل.

*     *       *

أستأذن عمي محمد في الانصراف. طلب منه والدي المبيت هذه الليلة فغداً الجمعة ولا عمل عنده، فأعتذر. أخبره والدي أن ميعاد آخر أوتوبيس قد فات ويستلزم ذلك أن يذهبوا سيراً علي الأقدام في هذا الوقت المتأخر. لكن عمي محمد أصر على الانصراف سارداً قائمة من ألأسباب المقنعة والغير مقنعة بأنه يجب أن يبيت ليلته هذه في البيت. وبعد أخذ ورد أذن له والدي بالانصراف،  فطلب مني عمي محمد أن أخبر أم عطيات بأنه يجب الرحيل. أصر والدي علي أن يوصلهم فرفضوا لكن بعد مفاوضات ساخنة اتفقوا على أن نوصلهم حتى منتصف الطريق فقط.  

طلبت من والدي أن آتي معه لتوصيلهم فوافق وطلب مني أن أذهب لأغير ملابسي. وبينما أنا أغير ملابسي استرجعت ما سمعته الليلة من الشيخ عبد الرازق: تضحية الصحابة من أجل أصدقائهم، غضب الله على من يمنعون الماعون، من يساعد الناس يكون تقياً وأن الله سوف يساعده وغيرها. تذكرت قصة كمال وأحسست أني لو ساعدت المحتاج فربما يريني الله في المنام ليس فقط ورقة أسئلة و لكن ربما أيضاً ورقة الإجابة النموذجية لامتحان القبول في العام المقبل. أحسست بالتقوى تسري في أوصالي وعزمت على أن أكون من الذين لا يمنعون الماعون 

ذهبنا لنوصل عمي محمد وعائلته وقبل أن نصل إلي المكان الذي سنتركهم فيه ونعود مددت يدي لعطيات و قلت: "خدي الكتاب ده."

"إيه ده." ردت بفضول.

قلت: "كتاب جغرافية."

سالت باستغراب: "بتاع مين ده؟"

قلت: "ده كتابي. خديه بدل كتابك اللي ضاع."

قالت بدهشة: "طيب وأنت؟"

قلت ببساطه: "أنا مش محتاجه."

قالت: "أزاي؟ دا فاضل على آخر السنة يجي شهرين."

قلت مطمئناً لها ومهدئاً لضميرها: "أصل إحنا خلصنا المقرر خلاص."

عندما وجدت إصراري الشديد قالت: "متشكرين يا أمين. دا أنا ما كنتش عارفة أعمل إيه من غير كتاب الجغرافية."

أحسست بالفخر يملأني فلقد أثبت أني شهم وتقي وأساعد المحتاج وأقف مع أصحابي كما طلب مني والدي من قبل.

عندما وصلنا إلى منتصف الطريق وقف عمي محمد وقال: "بس كفاية كده. إحنا وصلنا نصف الطريق."

بعد أن باءت محاولات أبي بالفشل ليسمح لنا بالسير معهم قليلاً عدنا أدراجنا إلي البيت.

*     *       *

 ونحن في الطريق سالت والدي: "ليه أنت بتحب عمي محمد قوي كده؟"

أجاب والدي: "أنا عمري ما شفت واحد في كرم ومروءة عمك محمد. دا اللي في جيبه لغيره. عمره ما كسف حد طلب منه حاجه."

قلت بإعجاب: "ياه! دا عمي محمد ده راجل شهم قوي."

أراد والدي أن يؤكد هذه ألفكره فقال: "أنا شفت عمك محمد في يوم كان أول الشهر وكنا لسه قابضين المهية. وإحنا مروحين فات على واحد صاحبه بيشتغل معنا. لما شافه محمد لقاه زعلان. سأله عن سبب زعله فقال له إن بنته هتتجوز يوم الخميس وما معهوش فلوس عشان الفرح ومش عارف يعمل إيه. قام محمد البنهاوي حط إيده في جيبه وراح مطلع المهية كلها واداها له. بعد ما مشينا قلت له يا محمد سيبت إيه للأولاد طول الشهر؟ قال سيبت لهم رب أسمه الكريم."

سالت بقلق: "وعمل إيه؟"

رد والدي: "سبحان الله، حكمتك يا رب، ربنا يكافئ الحسنه بعشر أمثالها إلي سبعمائة ضعف. أول ما وصل البيت لقي ابن عمه هناك فقال له له تعالى معي البلد عشان تقيس و تقسم أرض ميراث على الورثة.  راح عمك محمد عمل الشغلانه دي في يوم واحد وربنا رزقه بأتعاب قد مرتبه مرتين."

سعدت جداً لسماع هذا الكلام وقلت: "الحمد لله."

قال والدي مؤكداً: "اللي بيعمله عمك محمد بيفكرني بأبي بكر الصديق رضي الله عنه."

فرددت بشغف: "أزاي؟"

قال والدي: "في يوم طلب الرسول من الصحابة أن يتصدقوا فكل واحد جاب اللي يقدر عليه. سيدنا عمر جاب أموال كتيرة فسأله الرسول: ما ذا أبقيت لأولادك؟ فرد سيدنا عمر: أبقيت لهم نصف مالي. جه سيدنا أبو بكر، وكان غني جداً، وتصدق بأموال أكثر فقال الرسول: وماذا أبقيت لأولادك؟ قال أبو بكر: الله ورسوله."

فقلت بصوت عال وبتأئر: "الله! أنا بأحب سيدنا أبو بكر خالص."

قال والدي: "إن كنت بتحب سيدنا أبو بكر يبقي لازم تأتسي به وتعمل زيه."

قلت موافقاً: "طبعاً لازم."

*     *       *

وصلنا الي البيت وأنا في حالة معنوية عالية، أحس كأني أطير في السماء. جلس أبي على ألكنبة وخلع حذاءه وجلس ليستريح من المشوار. نظر إلي يدي وقال: "أمين، مش كان معاك كتاب وإحنا رايحين نوصل الجماعة؟"

قلت: "آه. دا كان كتاب جغرافيه."

سأل بتعجب: "لكن ليه أنا ما شفتكش راجع بيه؟"

فقلت بفخر: "أنا أديته لعطيات."

قال: "هو ده كتابك ولا كتابها؟"

قلت: "ده كتابي."

فرفع حاجبيه باستغراب وقال: "وليه إديتهولها؟"

قلت: "أصل كتابها ضاع ومعندهاش كتاب تذاكر منه."

زاد استعجاب والدي فسأل: "هو أنت خلصت المدرسة؟"

قلت: "لسه شهرين."

قال: "أنت عندك كتاب تاني؟"

قلت: "لأ."

قال: "أمال أنت سيبت لنفسك إيه عشان تذاكر فيه؟"

فاجأني السؤال فصمت برهة ثم وجدت نفسي أقول: "الله ورسوله."

فقال أبي كأنه لم يصدق ما سمع: "بتقول سيبت لنفسك إيه؟"

قلت: "الله ورسوله."

تلبد وجهه فجأة وأنحني ليلتقط الحذاء وهو يقول:"الله ورسوله! أنت فاكر نفسك أبو بكر الصديق ولا إيه؟ طب تعالي."

أدركت ما ينوي والدي فعله، فأطلقت ساقي للريح. في نفس اللحظة خرجت جدتي من الحجرة بعد أن سمعت مناقشتنا لترى ما يحدث. عندما رأيتها اختبأت خلفها ففردت يديها لتمنع والدي من الوصول إلي وقالت لوالدي: "مالك عاوز منه إيه؟"

فقال والدي: "بسلامته عمال يدي كتبه للناس ولما سألته أنت سيبت لنفسك إيه تذاكر فيه يقوم يقول لي الله ورسوله."

ابتسمت جدتي وقالت: "طبعاً الله ورسوله. هو إحنا لنا مين غيرهم."

لما اطمأنيت إلي حماية جدتي أخرجت رأسي من خلفها وقلت لوالدي: "والله أنت هتروح النار."

ضربتني جدتي علي فخذي ضربة خفيفة وقالت: "بتقول كده ليه يا ولد؟"

أخرجت رأسي من خلف جدتي مرة أخري وقلت: "الذين يمنعون الماعون."

فقال والدي: "يمنعون الماعون! مادام سيادتك بتوزع كتبك على الناس، إنشاء الله نهايتك هتكون انك تغسل مواعين." ثم وضع يده على ذقنه وقال: "ابقى تف على دقني إن ما كانتش أخرتك انك تطلع مبيض نحاس."

اعترضت جدتي قائلة: "مبيض نحاس إيه. والله أمين هيبقى باشا."

انسحب والدي وهو يقول بسخرية: "باشا! ابقي قابليني."

دخلت حجرت نومي في حماية جدتي. سألتني جدتي: "ليه عملت كده يا أمين؟"

قلت: "أنا مش عايز أمنع الماعون يا ستي."

سألت جدتي بتعجب: "مواعين إيه يا أمين اللي بتتكلم عليها؟ هو أنت اديتها كتاب ولا مغرفة."

أجبت: "يا ستي الشيخ قال لي إن الكتاب زى المغرفة والمشنة والفأس."

يدا عليها الارتباك فقالت: "مشنات إيه و فؤوس إيه؟" ثم أكملت: "أمين، ما تبقاش تعمل كده تاني."

فأجبت باستغراب: "وأمنع الماعون؟"

قالت وهي تبتسم :"يا حبيبي الماعون اللي يجيب وجع الرأس إمنعه و سك عليه بالترباس".  

 

 

 © 2004 د. إبراهيم محمد عبد المطلب


 
 


 
 
 

© 2004 Ibrahim Abdel-Motaleb


 


 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors. 
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors, 
who bear the sole responsibility of the content of their work.
 

MAIN PAGE

 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY