كنت في الخامسة عشر من عمري وقد نجحت في شهادة الإعدادية بمجموع يتيح لي الالتحاق بأي مدرسة ثانوية في مدينة الزقازيق. قبل ذلك بسنة كنت قد بدأت أتردد على مكتبة قصر الثقافة لأستعير كتب لأقرأها أثناء الإجازة الصيفية. كنت في ذلك الوقت أقرأ قصص وكتب كثيرة إسلامية وتاريخية ورومانسية. كل ما كان يقع في يدي كنت أقرأه. كنت أتفاعل مع القواد العسكريين مثل خالد ابن الوليد و الإسكندر الأكبر ونابليون وغيرهم من القادة العظام. كنت ملئ بالحماس والحيوية. ولما لا وأنا الآن أصبحت رجلاً في الخامسة عشر من عمري.

لم يكن تغير صوتي من صوت عالي النبرة، طفولي، إلي صوت منخفض النبرة، رجالي، هو السبب الرئيسي الذي أحسسني باني أصبحت رجلاً. لكن السبب الرئيسي هو ملاحظة إلقاء السلام علي من الكبار، وخاصة رجال لا أعرفهم. هذا أوحي لي أنهم يعتبروني رجلاً يجب إلقاء السلام عليه وليس طفلاً يلعب في الشارع. هذا الإحساس جعلني أتعامل مع الناس على أني فرد ذو كيان قائم بذاته وليس فرد من أسرة يتعامل معه الغير من خلالها.  

*     *       *

كان الجو حاراً في صيف هذا العام. لذلك كان أفضل وقت للقراءة بالنسبة لي هو الليل حيث الجو رطباً والبيت هادئاً وهذا يساعد على التركيز. في هذا اليوم، وكان يوم أربعاء، كنت بدأت قراءة قصة هانيبال القرطاجي. بدأت من بعد العشاء ولم أتركها إلا حينما بدأت أحس بالجوع عند طلوع الفجر. أحسست بجوع قارص حيث أني لم أتناول أي طعام منذ أكثر من ثمان ساعات. قمت لأبحث عن طعام، دخلت المطبخ وكشفت الأواني فوجدت حلة مليئة بالسبانخ كانت أمي قد طبختها لغذاء اليوم التالي. كانت الصلصة الحمراء تطفوا على وجهها وكانت رائحة البهارات تنبعث منها فتفتح الشهية وتزيد من الإحساس بالجوع.

صعدت فوق الصندرة التي في مطبخنا فوجدت كمية كبيرة من الخبز البلدي المجفف (العيش الملدن). أنزلت ستة أرغفة ووضعتها على ورقة جرنال بجانب حلة السبانخ على ترابيزة المطبخ وشرعت في الأكل بهمة ونشاط. سرحت فيما كنت أقرأ عن هانيبال وأنا أتناول الطعام الذي كان طعمه في فمي كالشهد المصفى. أستمر هذا الحال مدة من الوقت ولم يوقظني من سرحاني إلا أني أحسست أن لقمة العيش التي أخرجها من الحلة لا تحمل سبانخ. أدركت أني قد وصلت بعون الله إلي القاع و أن السبانخ قد تم الإجهاز عليها كلية. أحصيت عدد الأرغفة المستهلكة في هذه العملية فوجدها خمسة والسادس قد أكلت منه لقمة. شربت نصف قلة ماء وذهبت إلي السرير لكي أنام واستمتع بما حباني الله به من الصحة وراحة البال.

استيقظت في اليوم التالي، يوم الخميس،  بعد الظهر بقليل فوجدت أمي تلف وتدور في البيت وتنظر هنا وهناك وهي تقول لنفسها: "لأ! لأ! مش معقول! دا القطة بطنها صغير! لأ! لأ! لازم حاجة تانية."وضعت إصبعها السبابة على جانب رأسها وكأنها تفكر في شيء ثم خرجت إلي الخارج ثم دخلت وهي تقول: "بس الكلب دخل أمتي؟ لأ! لأ! هو الكلب بعد ما ياكل هيغطي الحلة؟ لأ! لأ!" ثم تمتمت: "يا ترى مين؟ يمكن حد من أهل الأرض. مش ربنا ذكر الجن في القرآن." نظرت إليها فوجدتها تمتم بصوت غير مسموع ثم أرتفع صوتها قليلاً وهي تقول: "من الجنة والناس، صدق الله العظيم" فعرفت أنها كانت تقرأ المعوذتين.

 قلت: "أمي." قالت وهي تنظر إلي وعليها علامات الحيرة: "عاوز إيه يا أمين؟"

قلت: " أنت بتدوري على إيه." قالت: "حلة السبانخ طبخاها امبارح والنهارده لقيتها خلصانة."

قلت: "آه السبانخ! أنا جعت امبارح بالليل وكنت عاوز آكل، لكن وما رضيتش أصحيكى، دورت على أكل فلقيت حلة السبانخ، فكلتها وخلصتها وأنا مش واخد بالي."

نور وجها وابتسمت وقالت: "بالهنا والشفا".

قلت: "أنت عارفه أنا خلصت كام رغيف؟"

عبس وجهها وقالت وهي تشوح بيديها في وجهي: "الله أكبر، الله أكبر. أسكت يا ولد. ما تتكلمش، ما بيحسدش المال إلا أصحابة." حاولت أن أتكلم ولكنها أشاحت بوجهها فلم أجد بداً من السكوت بعد أن رفضت أمي سماع ما أريد أن أقوله.

*     *       *

حضر والدي من العمل في حدود الساعة الثالثة و بعد أن خلع ملابسه جلس على ترابيزة السفرة منتظراً أن يأكل ما لذ وطاب من أنواع الطعام. أتي الطعام فوجده عيش و جبن وعسل وغيرها من طعام الإفطار. أنتظر قليلاً لعل هناك مفاجأة سارة تنتظره ولكن لم تحضر أمي شيء، وبقى الحال على ما هو عليه.

نظر والدي إلى أمي--التي كانت تتظاهر بتجاهل الموقف وكأنه لا يوجد شيء غريب فيما يحدث--و قال: "فين يا أم أمين الحاجات الحلوة اللي طبختيها لنا."

ردت وكأنها لا تدري عن ماذا يتحدث: "حاجات إيه الحلوة دي؟"

فأجاب والدي وهو يبتسم كأنه سيتوقع مفاجأة سارة: "السبانخ، اللحمة، الرز و ما شابه ذلك من أنواع المشهيات."

فقالت وهي تتظاهر بأنها ترتب الملابس المغسولة الموجودة في سلة أمامها: "اللحمة لسه نية."

قال وهو يبتسم ابتسامة عريضة وكأنه يحثها على الإفصاح عن المفاجأة: "طيب والسبانخ اللي طبختيها إمبارح، لسه نَية برضه؟"

ردت بعدم اكتراث: "رميتها."

أعتقد والدي أنها تداعبه كعادتها حينما يكون هناك أخبار سارة أو مفاجآت. لذلك اعتقد أن ما هي إلا لحظات وسوف تضع أمامه حلة السبانخ، لذلك قال مداعباً: "يا شيخه قولي كلام غير ده.  أكيد عامله لنا مفاجأة. باين عليك دبحتي لنا بطه؟"

قالت بصوت فيه حزم: "لا بطه ولا وزه. مالك يا صالح؟ في إيه؟ السبانخ طلع ملحها زايد ولقيتها ما تتكلش فرميتها. إيه! القيامة قامت؟"

أردت أن أتكلم وأكشف السر ولكن أمي نظرت لي نظرة أوقفت الكلام في حلقي فسكت. أما والدي فزاد عجبه مما قالت فقال غير مصدق: "لأ القيامة ما قامتش، لكن ملحها زاد؟ إزاي؟"

فقالت بسرعة متنقلة من الدفاع إلى الهجوم: "زي الناس؟ دول ما كانوش شوية سبانخ اللي هنعمل عليهم مشكلة."

لما أحس والدي أنها ستغضب قال بصوت هاديء: "يلله. خدت الشر وراحت. ما ليناش نصيب ناكلها. لكن يا أم أمين ابقي ضيفي شوية ملح صغيرة ودوقي الطبيخ لو محتاج ملح ضيفي شوية تانيه لغاية لما الحُدق يتظبط."

قالت بعدم اكتراث: "إنشاء الله."

أكل والدي من ما أمامه وأكلت لقمتين تظاهراً بأني مثله أريد تناول الطعام. بعد أن انتهى من الأكل ذهب ليصلي العصر في المسجد.

بعد أن خرج قالت لي أمي بحزم: " أمين، ما تقلش الحجات دي لأحد. ما بيحسدش المال إلا أصحابه يا ولد."  أومأت بالموافقة ثم خرجت لألعب مباراة كرة قدم.

*     *       *

أنهيت مباراة كرة قدم حامية مع إحدى الفرق المنافسة لفريق حارتنا بعدها ذهبت إلي المنزل فوجدت ضيف يجلس مع والدي، هذا الضيف لم يكن غير خالي الصادق. يبدو أن والدي قابله أثناء صلاة العصر فأحضره معه. في الحقيقة هو ليس خالي ولكنه خال والدي ولقد تعودنا بأن نناديه “بخال" لأن كان عمره مقارب من عمر والدي وكان لا يبدوا لنا أنه جد بل عم أو خال. أما والدي فكان يناديه بالشيخ صادق لقرب عمريهما.

حينما دخلت لأسلم قال والدي: "أنت فين يا أمين؟ خالك جه بنفسه عشان يبارك لك على النجاح."

فقلت:"ما هو بارك لي لما كنت عنده أول امبارح."

فرد خالي مبتسما: "المرة اللي فاتت ما تنحسبش يا سي أمين. كان لازم أبارك لك في بيتك. مش كده ولا إيه؟"

خالي الصادق رجل طويل وعريض وأبيض اللون في وجهه آثار وسامة كانت لديه عندما كان شاباً. هو خريج جامعة الأزهر وكان مدرس عربي في المدارس الأميرية، أصابه مرض أثر على بصره حتى فقد الرؤية تماماً فاضطر إلى التقاعد. كان في الماضي يلبس اللبس ألأزهري، أما الآن فيلبس الجلابية البلدي وطاقية من القماش الأبيض. خالي هذا له صفات من النادر أن تجدها في كثير من الناس. هو اجتماعي من الدرجة الأولى، عنده ذاكرة قوية جداً، قصاص بارع، واسع الثقافة. كنا ونحن أطفال نلتف حوله ليحكي لنا أخبار سفرياته وقصصه الشيقة التي كان بها يحلق بنا في آفاق الكون وتحت الأرض و في البحار ومع الجن والملائكة. من يجلس معه لا يمل حديثه ولا يسأم من حكاياته. كانت له عادة أن يزور إخوته البنات، ومنهم جدتي التي توفت منذ عدة سنوات وتركت وحشة و حزن في قلبي ما زلت أشعر به حتى الآن. كانت هذه الزيارات هي المناسبة التي نلتف حوله فيها ونستمع إلى حكاياته الشيقة.

بعد أن فقد خالي الصادق بصره جلس في البيت ولم يعد من السهل عليه زيارة الأقارب كما كن يفعل من قبل. لذلك كان سعيداً جداً حينما بدأت أزوره أثناء هذه الأجازة وأجلس معه بالساعات ليحكي لي عما قرأ وعرف و قابل وشاهد عبر السنين. كان خالي هذا موسعة معارف يحكي عن التاريخ قديمة و حديثه و عن الدين والسياسة وتاريخ العائلة في الماضي والحاضر. لذلك كان ملجأي للإجابة عن كثير من الأسئلة التي لم أعثر لها على جواب. كان مجرد الحديث معه يضيف معلومات ويفتح مواضيع لم أكن على علم أنها موجودة أصلاً؛ وهذا ما حدث عندما قمت بتوصيله إلي البيت في هذا اليوم. كان يعاملني كرجل ويجلس معي ويحكي لي ويطلب رأيي في أشياء، وهذا بدد ما تبقى من شك في أني فعلاً دخلت عالم الرجولة.

*     *       *

جلست مع والدي وخالي بعض الوقت واستمعت إلى مناقشاتهم عن السياسة وأمور الحياة. بعد ذلك أستأذن خالي للذهاب إلى بيته ولما أراد والدي أن يوصله رفض وقال: "أمين موجود. هو اللي هيوصلني."

رد والدي: "خلاص يا شيخ صادق. مادام ده طلبك."

شبك خالي يده في يدي وانطلقنا إلى بيته ونحن نتجاذب أطراف الحديث. وبينما نحن نسير قال: "أمين. حود على جامع العطار عشان نصلي المغرب."

قلت: "لسه المغرب ما أدنش".

قال: "الحقيقة أنا عاوز أروح الحمام. مرض السكر اللي عندي، بعيد عنك، بخليني لازم أروح الحمام كل ربع ساعة."

ذهبنا الي المسجد وبعد أن قضينا حاجتنا خرجنا للذهاب إلى بيته. كانت المسافة طويلة نسبياً فأردت أن أفتح موضوع لنسلي به أنفسنا أثناء السير. كنت أحب أن أعرف عن أصولي وعن أجدادي فسألت خالي ونحن نسير: "أحنا أصلنا منين يا خال؟"

أخبرني أن جدي أبو فايد الكبير هاجر من 300 سنة من منطقة الحيرة بين السعودية والعراق إلى مصر فنحن أصلا من قبيلة المناذرة و جدنا هو النعمان بن المنذر ملك الحيرة الذي ذهب له عنترة بن شداد لكي يأتي من عنده بمهر عبلة من النوق الحمر. عندما سألته كيف عرف هذه المعلومات أخبرني بأنها موجودة في كتب الأنساب التي في دار الكتب. أضاف أن هذه المعلومات تنااقلها أجدادنا كابر عن كابر على مر الأجيال و أنه سمع هذا الكلام من جده اللي كان على قيد الحياة عندما بنوا البلد. أخبرني أيضاً أن بلدتنا كان أسمها في البداية نزلة النعمان على أسم النعمان بن المنذر وذلك عندما أسسها أجدادي على أطراف الصحراء في محافظة الشرقية عندما أتوا مصر. وعندما سألته من غير أسمها، أخبرني بأنه عندما تولى محمد علي حكم مصر حفر ترع ومصارف وكبر المساحة الزراعية وأصبحت أرض أجدادي "نزلت النعمان" أرض زراعية خصبة وبدأ الناس يربون الحمام لتوافر الغذاء لها من الحقول المجاورة. لذلك كثرت أبراج الحمام وبدأت البلد تشتهر بأنها بلد الحمام لذلك قرر أهالي البلد أن يغيروا أسمها من نزلة النعمان إلى كفر الحمام.

أسرتني عذوبة حديثه ومعلوماته الغزيرة ولم أفق إلا على صوته وهو يقول: "إحنا وصلنا البيت؟ مش كده." و فعلاً وجدت نفسي أمام منزله. لم أستعجب أن يدرك خالي ذلك فهو يحفظ طرق البلدة عن ظهر قلب ويعلم أين يسير و كأنه يرى الطريق.  

*     *       *

دعاني خالي لكي أدخل معه، ولما حاولت ألاعتذار أصر أن أشرب معه الشاي حتى يكمل لي حكاية بلدتنا. جلست معه قليلاً نتحدث في ماضي البلدة وبعدها سمعت حركة يبدوا أنها كانت حركة تحضير العشاء. قال لي خالي: "أمين خليك أتعشى معايا."

قلت يا خال أنا شبعان على الآخر."

فقال: "شبعان إيه؟ يعني أكلت خروف."

قلت أكتر يا خال. دا أنا هفيت خمسة أرغفة أنهاره الفجر."

فنظر إلي بانزعاج وعدم تصديق: "خمسة أرغفة مرة واحدة يا أمين؟

قلت: "أيوه، اصل جعت ولما دورت على أكل لقيت حلة سبانخ فشطبت عليها كلها."

ضحك وقال: "شطبت على الحلة كلها؟ وأمك عملت إيه لما عرفت؟"

حكيت له على ما حدث واتهامها للقطة ثم للكلب ثم أخوانا أهل ألأرض من الجن بأنهم الجناة.

قال: "لكن عملت إيه بعد ما عرفت أنك أنت الجاني؟"

أخبرته بفرحها ورفضها أن تخبر أبي عن هذا الموضوع لأن "ما بيحسدش المال إلا أصحابه."

 لكن قدرت تآكل خمس أرغفة مره واحدة إزاي يا أمين؟"

قلت: "أنا سمعت يا خالي إن الواحد لما بيكون سنه صغير، شباب يعني، بتكون حواسه قوية، الحواس اللي هي زي حاسة الشم واللمس واللحس. عشان كده الواحد نفسه بتكون مفتوحة على طول. أنا بيتهيألي يا خال أن حاسة اللحس عندي قوية جداً"."

ضحك خالي وقال وهو يمسك بطنه من حدة الضحك: "حاسة اللحس!"

قلت مؤكداً: "أيوه حاسة اللحس اللي بتخللي البني آدم ياكل كتير."

قال وهو ما زال يضحك: "حاسة اللحس إيه يا أمين؟ هو أنت كنت بتلحس مصاصة؟ دي بيتهيء لي، والله أعلم، إن الحاسة اللي عندك هي حاسة اللهط مش اللحس."

صدقته فيما قال وسألته: " لكن هي دي يا خال اللي بيقولوا عليها الحاسة السادسة."

خرجت منه قهقهة عالية و قال وهو يحاول أن يتحكم في الضحك: "الحاسة السادسة! الحاسة السادسة! بالنسبة لك أنت يا أمين ما اقدرش أقول إن كانت السادسة ولا التاسعة! اصل أنت، ما شاء الله، حواسك كتيرة."

استعجبت أنه لا يعرف الحاسة السادسة التي كان يتكلم عليها بعض الكتاب في الراديو.

انتظرت حتى هدأ واستأذنت للانصراف فأذن لي وهو يقول: "يخرب بيت شيطانك يا أمين. خمس أرغرفة؟ وبتسميها حاسة لحس؟"

*     *       *

ذهبت إلى المنزل ودخلت حجرتي وبدأت أكمل قصة القائد القرطاجي "هانيبال" الذي قام بغزو روما بعد أن حقق معجزة عسكرية بعبور جبال الألب مع مجموعة كبيرة من الفيلة ألأفريقية. كنت معجبا بهذا القائد وكيفية هزيمته للرومان على مدى ستة عشر عاماً لكني شعرت بأسف عميق حينما أنتصر الرومان عليه في موقعة واحدة فخسرت قرطاجة الحرب وأصبحت مستعمرة رومانية. حزنت على هانيبال وتمنيت لو أني كنت معه لحاربت ولقنت الرومان درساً لن ينسوه، فقرطاجة هي تونس الدولة الشقيقة.

بعد أن أنهيت القراءة أحسست بالجوع فذهبت كالعادة إلى المطبخ لأبحث عن ضالتي. لم أحتاج إلي بحث كثير، فعندما دخلت وجدت حلة مليئة بالكوسة حيث الصلصة الدامية التي يترقرق علي سطحها بقع السمن فتنعكس من علي السمن ألأملس نوراً احمراً يبهج العين ويفتح الشهية. شممت الكوسة فخرج منها عبق البهارات والثوم والبصل. نظرت بجانبها فوجت أن أمي قد وضعت مشنة العيش وفيها عدد كبير من ألأرغفة. استخرت الله وبدأت الأكل وأنا في نشوة لم أفق منها إلا بعد أن وصلت القاع واكتشفت أن إمدادات القرع قد جفت. حمدت الله على ما رزقني مما تنبت الأرض من قرعها وخبزها و ذهبت إلي السرير هانئاً البال مستريح الضمير واستغرقت في نوم عميق وكأني ملكت الدنيا بحذافيرها.

*     *       *

استيقظت في اليوم التالي على صوت والدي وهو يقول: "أمين أصحي، الجمعة هتفوتك. قوم عشان تغتسل غسل الجمعة وتصلي."

استيقظت ببطء وذهبت للحمام لأخذ غُسل الجمعة ثم جلسنا لنتناول طعام الإفطار.

قال والدي: "أمين، ناوي تصلي فين إنها رده؟"

أجبت: "في جامع العطار."

قال: "مش معنى جامع العطار اللي دايماً تصلي فيه؟"

كان في بلدتنا أربع مساجد بعدد الحارات الرئيسية فيها. كان لكل مسجد شخصية خاصة به كشخصية البشر يجذب بها من المصلين الذين هم على شاكلته.

مثلا جامع العطار كان جامع رومانسي، منفتح ،كان مبني خارج الحارات على الطريق الدائري الذي يحيط بالبلدة. كان خطبائه من مدرسي اللغة العربية، خريجي كلية دار العلوم. كان هؤلاء الخطباء يجيدون فن الخطابة باستعمال عبارات رومانسية تؤثر على وجدان السامع. كانوا يتعمدون تغيير نبرة الصوت لكي يضفوا بعداً موسيقياً على الحدث. كان هؤلاء الخطباء ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مجددون وان طريقتهم هي المثلي لاجتذاب المستمعين. لذلك كانوا، على عكس خريجي الأزهر التقليديين، يبتعدون عن المواضيع الجافة ويخطبون عن المواضيع الرومانسية. من خطبهم المشهرة قصة السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.. وخاصة الشاب الذي دعته امرأة ذات مال وجمال فقال إني أخاف الله. كانوا يصفون المرأة ذات المال والجمال بطريقة تصويرية لدرجة أني كنت أحس أني أراها تتهادي أمامي وتدعوني بعينيها الحوراوتان فأكاد أترك الصلاة وأذهب خلفها. كانوا ينسجون حوارات شيقة بين أبطال هذه القصص تجعل المستمع يهيم على وجهه في وديان الحب والغرام.

من خطبهم أيضاً قصة سيدنا يوسف وما حدث من امرأة العزيز وغيرها من القصص الرومانسية، لذلك كنا، نحن الشباب الصغار، نستمع إلى هذه الخطب فنهيم على وجوهنا في خيال رومانسي ليس له حدود.

خطباء هذا المسجد كانوا أيضاً خفاف الظل وأولاد نكته. أذكر أن أحدهم، الشيخ فوزي، كان مدرسي للغة العربية وأنا في السادسة الابتدائية. في أحد الأيام و أثناء إحدى الحصص أحضر الشيخ فوزي مدرس آخر و ناداني قائلاً: أمين أنت شاطر في قواعد النحو والصرف، أعرب الجملة دي. قلت: هي إيه؟ قال: الجملة هي "أبوك أسود". فوقفت و قلت: دي سهلة خالص "أبوك مبتدأ." فقال: "وخبر أبوك؟" فقلت: "أسود." فضج بالضحك هو والمدرس الآخر وقال:"بتقول خبر أبوك أسود." فقلت وكلي ثقة: "أيوه يا أستاذ.” ثم جلست وأنا فخور بنفسي وبما أنجزته، لقد رفعت هامة مدرسي أمام المدرس الآخر.  

في اليوم التالي أتى بعدد آخر من ألأساتذة وسألني نفس السؤال. أحسست بالخيلاء وانتفخت أوداجي لأنه اختارني للمرة الثانية، لذلك أردت أن أثبت أني أعرف الإجابة عن ظهر قلب. عندما سألني: "تعرف تعرب – أبوك أسود" أجبت بلا تردد: "أبوك مبتدأ وخبر أبوك أسود يا أستاذ." فأنفجر الجميع بالضحك وقال أحدهم: "خبر أبوك أسود يا شيخ فوزي"

هذه كانت نوعية خطباء مسجد العطار. لذلك أضفوا الشخصية المرحة المنفتحة على المسجد فجذبتنا نحن الشباب إليها.

أما المسجد الآخر فهو مسجد النجاجرة، وهو مبني أيضاً خارج الحارات على الطريق الدائري أيضاً. لذلك كان مسجد منفتح أيضاً ولكن لنوعية أخرى من الخطباء. كان يخطب في هذا المسجد شيوخ منتمين إلى الإخوان المسلمين. كان الأخوان المسلمين يركزون على التربية والأخلاق لأنهم يعتقدون أن استعادة قيمنا الإسلامية هو السبيل الوحيد إلي نهوض الأمة التي تأخرت بعد أن أضاعت قيمها الأخلاقية. في هذا ألمسجد تجد الخطباء يركزون على التعاون والإخاء ومساعدة الغير وغيرها من الفضائل. فتجد مثلاً خطبة عن حقوق الجار وكيف أن الرسول قال "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه." ثم يذكرون أمثلة عن حقوق الجار.

كان خطباء هذا المسجد يرون أن أفضل طريقة لتوصيل المعلومة هي أن تبسط الأمور بأمثلة، وكانوا يكثرون من الأمثلة حتى يكاد الناس أن يجنوا وتذهب عقولهم من كثرة الفهم. فمثلا في مسالة حقوق الجار كان الخطيب يقول: "جارك له حق عليك، فلو اشتريت برتقال ورآك أحد أولاده فلابد أن تعطيه منه، ولو طبخت طبيخ وشم رائحة التقلية فلابد أن تعطيه منه. ولو رآك ابنه وفي يدك بطيخه لابد أن ترسل لهم منها... ويظل يعطي مثال وراء مثال وراء مثال حتى تدخل المعلومة في الرأس حتى وإن أبى المستمع، ويظل يضرب في الأمثلة حتى تبلغ الروح الحلقوم وتلتف الساق بالساق ويوقن الناس أن إلى ربهم المساق." لذلك كانت خطبة هذا المسجد طويلة وكان يحضرها من كانوا ينتمون إلى فكر الإخوان المسلمين ومن المحافظين من الناس والذين لا يروق لهم الخطب الرومانسية التي يلقيها الشيخ فوزي والشيخ أحمد الطيب وأمثالهم. الغريب أننا كنا نشيع جنازات  كثيرة من أهل حي النجاجرة في أيام الجمع، وكنا نسمع نفس القصة: "عمك فلان رجع من صلاة الجمعة في جامع النجاجرة وقال لمراته أنا حاسس إني تعبان، هأروح أرتاح شوية، ولما راحت تصحيه لقيت السر الإلهي طلع ومات بالسكتة القلبية.

أما المسجد الثالث فكان مسجد الموالح المبني داخل حارة الموالح وكان منغلق على أهل الحارة. كان يخطب في هذا المسجد الشيخ حسين أبو محسن وهو حاصل على الابتدائية القديمة ويخطب في هذا المسجد منذ عشرين عاماً. كانت معظم خطبه عن المكاييل والموازين والمعايير. فكان دائم الحديث عن سيدنا شعيب وعن أصحاب الأيكة ممن كانوا يطففون الميزان وعن الذين كانوا "إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون". كان الشيخ يتوعد المصلين بأشد العقاب إن هم فعلوا مثل أصحاب الأيكة، أهل مدين. كان معظم المصلين في هذا المسجد من المزارعين الذين كان جل اهتمامهم هو بيع المحاصيل والتي تتطلب الوزن والمكيال. كان الشيخ حسين يعمل قباني في محلج القطن بالزقازيق ويبدوا أن عمله أثر في خطبته فأصبح لا يرى في الدنيا آثمين إلا المطففين.

أما المسجد الرابع فهو مسجدنا، مسجد الفوايد، وهو موجود داخل الحارة أيضاً ومنغلق. كان خطيب المسجد هو الشيخ علي أبو زيد. الشيخ علي رجل في غاية الصلاح والورع. تخرج من كتاب القرية وأصبح إماماً للمسجد منذ أكثر من ثلاثين عاماً. كان للشيخ علي مشية عجيبة، كان يمشي وهو فارد كف يده اليمنى بموازاة ألأرض. لذلك عندما كان يحرك يده للأمام والخلف وهو يسير يبدوا لمن يراه كأنه يسوي الأرض وهو يمشي. لذلك كانت الناس تقول عليه أنه رجل طيب ولا يترك فرصة إلا ويعمل الخير،  حتى وهو يسير، كان يسوي الأرض.

 كانت خطبة الشيخ علي قصيرة ومقروءة من أحد كتب الخطب التي كتبت في العصور الماضية. وكان يقرأ الخطبة التي تتكون في الغالب من حديث وآية ودعاء لسلطان الزمان الذي كتبت فيه. فمرة يدعوا للسلطان عبد الحميد في الآستانة وأخري للسلطان ألغوري وثالثة للسلطان الكامل وهكذا. أما صلاته فكانت قصيرة جداً. لا تتعدي الفاتحة وآية قصيرة. فمثلاً في الركعة الأولى يقرأ "قل هو الله أحد" ثم يركع. وفي الركعة الثانية يقرأ فقط "الله الصمد" ثم يركع. وهكذا...

كانت غالبية رواد مسجدنا هذا من العجزة و المرضى وذوي العاهات وذوي الحاجات من الرجال. كان في المسجد مقصورة عالية يصعد إليها بسلم حلزوني كي يصلي فيها النساء. في يوم الجمعة لا تجد من يصلي في هذه المقصورة خلف الشيخ علي إلا العجزة والقواعد من النساء الذين لا يرجون نكاحاً. يبدوا أن قِصَر الخطبة والصلاة كان هو السبب الرئيسي في تفضيل هذه الفئة من الناس لهذا المسجد. لذلك عندما سألني والدي عن المسجد الذي سأصلي فيه لم أتردد في القول أنه جامع العطار.

*     *       *

قال والدي حينما أخبرته برغبتي: "تعالى صلى انهاردة في جامعنا، جامع الفوايد."

قلت: "أنا بأحب جامع العطار، الخطبة فيه أحسن."

لكن والدي قال: "تعالي صلي في جامعنا الجمعة دي عشان نزور قرايبنا في الحارة. صلة الرحم واجبة يا أمين. مش كده ولا إيه؟"

وافقت على مضض. لكن علمي بأن الخطبة ستكون قصيرة هون علي الأمر وإن كنت سأحرم من الاستماع إلى قصة من قصص المرآة ذات المال والجمال أو التي غلقت ألأبواب و قالت هيت لك.

ذهبت إلى المسجد معداً نفسي لخطبة ربما لن تستغرق أكثر من ثلاث دقائق. دخلت المسجد وكان قرآن الجمعة مازال يُقرأ. كان بعض الناس يصلي السنة-- فهذا راكعاً وذاك ساجدا والآخر يقرأ التحيات ورابعاً يسلم من الصلاة.  وكان البعض الآخر جالساً --فهذا يهتز يمنة ويسرى مسبحاً، وذاك جالس مسنداً ظهره على الحائط ويبدوا أنه يفكر في الدنيا ومتاعبها، وثالث جالس يغالب النعاس، ورابع يهز رأسه موافقاً علي كل آية يقرأها المقرئ. ومن الناس من دخل المسجد لتوه ووجهه وذراعيه يقطران من ماء الوضوء، وآخرون يتجهون إلى الصفوف ألأولى و يربتون على أكتاف بعض الجالسين ليوسعوا لهم حتى يمروا أو حتى يجلسوا. في هذا اليوم كان المسجد مليء على غير العادة ولم أكن أدري ما السبب.

أنهي المقرئ قراءة القراء فقام مؤذن ذو صوت أجش غليظ خشن ليؤذن، عندما تسمعه تحس كان رجلاً يصيح في ماسورة صدئة مثقوبة ومن غلاظه الصوت أحسست بقشعريرة تسري في جسدي. تنفست الصعداء بعد أن أنهى المؤذن آذانه. قام الناس لصلاة السنة. نظرت إلى المصلين فرأيت شيئاً أدهشني. وجدت، على غير العادة، مجموعة كبيرة من الناس لا تصلي السنة فسألت رجلا جالساً بحواري عن سبب ذلك فأخبرني بأن هؤلاء من السلفيين ومن أتباع الشيخ حامد الفقي وهم يرون أن سُنة الجمعة هذه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. استعجبت لوجودهم في المسجد فهم ليسوا من رواده بل من رواد جامع النجاجرة. تساءلت في نفسي، هل يا ترى وقعوا في حب الشيخ علي؟ أم ماذا؟

بعد أن أنهى المصلين صلاة السُنة، انتظرت الشيخ علي أن يصعد المنبر لكن خاب ظني ودهشت عندما رأيت من يصعد المنبر شاباً في الخامسة والعشرين من عمره مُعَمم بعمامة لها حدبة تتدلى بين كتفيه ويلبس جلباباً أبيض قصير وعليه عباءة سوداء وفي يده سيف من خشب. قلت لجاري: "أمال فين عمي الشيخ علي."

أجاب بابتسامة لها مغزى: "باين عليه راح يسوى حتة أرض بور." في إشارة إلى طريقة مشي الشيخ علي وهو فاتح يده اليمنى بموازاة الأرض وكأنه يسويها.

ابتسمت لتعليقه و قلت له: "مين الخطيب ده؟"

قال: "علمي علمك."

حقيقة هذا الخطيب علمتها بعد ذلك وهي أن شباب الحارة من طلبة الأزهر ثاروا على الشيخ علي و اتهموه بأنه هو سبب تخلف العرب و انهيار الأمة الإسلامية وانحطاط الهمم وخراب الذمم.  ادعوا أن كل مشاكل هذه الأمة سببها هو عدم وجود وعاظ يعرفون الدين على حقيقته. لذلك أصروا أن يأتوا بخطيب متفتح لكي يلقي خطبة الجمعة ويشحذ الهمة ويكشف الغمة.

*     *       *

جلس الخطيب على المنبر ونظر إلينا نظرة حادة ارتعدت لها فرائصي. بعدها قام المؤذن ليؤذن الآذان الثاني فأحسست بتضريس في فمي من صوته الأجش. بعد انتهاء الآذان كان يجب على الخطيب أن يقوم لكنه ظل جالساً ولم يتحرك.

يبدو أنه فعل ذلك لأن كان هناك بعض الهمس بين المصلين، فكان البعض يسأل من هو هذا الخطيب ومن الذي أتى به؟ انتظر الخطيب حتى يعم الصمت بين المصلين.

ذكرني هذا الموقف بموقف الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قرأت عنه من عدة أيام في إحدى الكتب. فالحجاج حينما حضر لأول مرة إلى الكوفة لتسلم الولاية هناك ذهب إلى مسجد الكوفة عند صلاة الجمعة ثم صعد فوق المنبر وجلس ساكنا فترة حتى صمت الناس ثم قام و قال: "يا أهل العراق. يا أهل الشقاق والنفاق.. إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها..وأني لها."

تصورت أن خطيبنا سيسير على نفس النهج و سيقول: "يا أهل كفر الحمام..يا أهل الفسق والهوان.. إني أرى ذقوناً قد طالت وحان نتافها .. وأني لها." لكني اكتشفت أن هذا كان من نسج خيالي لأني أفقت على صوته الهادئ الرقيق وهو يقول:"الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونؤمن به، ونتوكل عليه." تم رفع صوته قليلاً وأكمل بعد أن أخذ نفساً عميقاً وقال: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد."  ثم ضاقت حدقتا عينيه وصاح وهو يهز سيفه منذراً ومهدداً: "ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا."

نظرت إلى سيفه البتار وتلاقت نظراتنا فسرت في نفسي رعدة بعدها استسلمت و خشعت وفتحت أذني لما يقول. خفض من صوته وأكمل: "واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله." ثم طاف ببصره في أنحاء المسجد وكأنه يقول هل من معترض. ولما لم يعترض أحدا صاح قائلاً: " أدى ألأمانه، وبلغ الرسالة، ونصح ألأمه، وكشف الغمة."

نظر إلينا وكأنه يريد أن يرى أثر كلامه على المستمعين. صمت فترة فنظر إليه الناس كأنهم يريدون أن يستوضحوا سبب صمته. حدق فينا ثم عبس وبسر و ضرب بسيفه علي الأرض وصاح: " أيها الناس، ما لكم إدا قيل لكم هلموا إلى نداء الله فررتم كأنكم حمرٌ مستنفرة، فرت من قسورة.... أيها الناس، ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلي الأرض. أرضيتم بالحياة الدنيا ... أيها الناس، هلم إلى الجهاد ... هلم إلى القتال ... هلم إلي رضوان الله ... هلم إلى العزة والكرامة."

تحفزت حواسي واشرأب عنقي وغلى الدم في عروقي. وأعددت نفسي لكي أنفر. لم أكن أدري كيف أنفر وتمنيت لو أن أحدا يدلني على السبيل. عندها صاح الخطيب وهو يهز سيفه الخشبي: " يا خيل الله اركبي ... يا خيل الله اركبي."

أحسست بفرسي ينتفض ويركض وأنا على صهوته رافعاً سيفي في اتجاه العدو. العدو يحيط بي من كل جانب وأنا أحصد الرؤوس يمنة ويسرى. فهذا أفلق رأسه وذاك أطير رقبته وثالث أبقر بطنه وجوادي تحتي يصهل ويكر ويفر كأنه منتشي من أطاحت رؤوس أعداء الله، جرى الدم أنهاراً ولاذ الأعداء بالفرار. كان صوت الخطيب يرن في أذني يشجعني ويقول أعدكم بإحدى الحسنيين، الموت أو الشاهدة! أيها الناس إما الموت أو الشهادة! فقلت لنفسي والله إن الموت بشرف أكرم لي من الحياة بذل. نهرت فرسي لكي يتعقبهم فأنا لا أريد أن يبقى منهم أحداً أريد أن أستأصلهم وأقطع دابرهم. وبينما أنا أطارد الأعداء رأيت رجلاً جالساً أمامي فملت إلى الأمام لكي أقطف رأسه وأجعله عبرة لمن يعتبر. وبينما أنا أهوي عليه بسيفي، إذ الرجل الجالس بجواري يضع يده على ركبتي، وكأنه علم مقصدي، ويقول: "أرررربط! أرررريط." فأفقت وأيقنت أني مازلت في المسجد و أني لم أركب جوادا أو أقطف رؤوساً، ولكن نفسي ما زالت تواقة لحصد الرؤوس.

صاح الخطيب ملوحاً بسيفه: "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ... أضربوا فوق الأعناق وأضربوا منهم كل بنان ... أقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ... والفتنة أشد من القتل."

غلى الدم في عروقي مرة أخرى وأقسمت لأقتلنهم جميعاً ولأشتتن شملهم وأرملن نسائهم وأيتمن أولادهم. وها هو الرجل الجالس أمامي يبدوا أن أنفاسه في الدنيا أصبحت معدودة فسوف أكتمها، انه من الأعداء و جالس بالقرب مني وكما يقال ابدأ بمن يليك. قررت أن أقضي عليه وأريح الناس من شره لكي أجعله عبرة يتذكرها الناس على مر العصور والأيام. استللت سيفي فخرج منه وميض يخطف الأبصار ثم رفعته لأهوي به على رأس هذا الرجل، وبينما أنا أهوي بالسيف ربت جاري على ركبتي مرة أخرى وقال: "أرررربط! أرررربط". أفقت مرة أخرى وأيقنت أني لم أبرح مكاني في المسجد. لكن بالرغم من ذلك تضايقت من هذا الرجل الذي   يثبطني عن قتل الأعداء وأحسست أنه من المنافقين الذين يريدونني أن أقعد مع القواعد من النساء ولا أجاهد في سبيل الله. أحسست أنه يجب أن نتخلص منه أولاً فهو من المثبطين. أردت أن أنقض عليه كالوحش الكاسر فعرف مرادي فنظر إلي نظرة عرفت مغزاها، لذلك جلست لأتحين فرصة أخرى أتمكن فيها من أن أقضي عليه قضاءً مبرماً.

أخذت الخطيب الجلالة فرفع عقيرته و هو يضغط على حرف القاف ويمد في حرف الألف و يقول بصوت جهوري: الحاقة ما الحاقة! الحاقة ما الحاقة! الحاقة ما الحاقة!" فأحس الناس كأن السماء انشقت وأذنت لربها وحقت. ثم جأر بصوت كالرعد" القارعة ما القارعة! القارعة ما القارعة! القارعة ما القارعة!" فأحس الناس كأن البحار سجرت و أن النفوس زوجت، وأخذتهم رعدة ورهبة وجلسوا كأن على رؤؤسهم الطير. ثم صاح وهو يهدد بسيفه "أتي أمر الله فلا تستعجلوه." فأيقن الناس أن السماء قشطت وأن الجحيم سعرت." ثم صرخ "والعاديات ضبحاً فالموريات قدحا، فأثرن به نقعا فوسطن به جمعاً" فوضع الناس أيديهم فوق رؤوسهم لأنهم أحسوا كان المسجد سينهدم على رؤوسهم تحت سنابك الخيل.  

أصاب الناس ذعر هلع وفزع وبدأ العرق يتصبب من جباههم وبلغت القلوب الحناجر. ثم رفع سيفه وقال: " فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ؛ الْجَوَارِ الْكُنَّس؛ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ؛  وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ... إنكم لقوم بوراً وستصلون سعيراً، إلا المتقين. أيها الناس هل أعددتم ليوم الحاقة؟ ... هل أعددتم لسقر؟... وما أدراك ما سقر، نارٌ لا تبقي ولا تذر."

استمر الصمت في المكان فلا تسمع إلا تنفس المصلين الثقيل الذي هو أقرب إلى الحشرجة منه إلي التنفس. شجع هذا السكون الخطيب وأحس كأننا نقول له فهل من مزيد، فصال وجال في تفسير سورة الحاقة والقارعة، ومرت ساعة ولم ينهي الخطيب الخطبة الأولى واستمر يصيح: "الحاقة ما الحاقة، القارعة ما القارعة. ما سلكم في سقر" ونحن في رعب يكاد يغشى علينا.

وبينما الخطيب يصيح..الحاقة..القارعة. فجأة سمعنا دق عنيف على أسفل جدار المنبر الخشبي. بعدها صاح شخص جالس بجوار المنبر وهو يقول: "كا كا كا كا كا (تقليداً للإمام وهو يكر الكلمات التي فيها حرف القاف) أنت عمال تكاكي بقالك ساعتين وإحنا هنا تحت هنعملها على أرواحنا، انزل يا أخي بقى." ثم قام وخرج إلي الحمام وهو يتخبط في الجالسين ويتحسس طريقه بيديه.

لم يكن الشخص الذي فعل ذلك غير خالي الصادق، يبدو أنه فقد ألأمل في إنهاء الخطبة وحصره البول. لقد رأيه مرتين يذهب إلى الحمام أثناء الخطبة ويعود. كان يصلي الجمعة في هذا المسجد لقصر الخطبة فيه فطول الخطبة تشق عليه لاضطراره الذهاب إلي الحمام وهذا يتطلب طلب المساعدة من الناس وهي عملية شاقة على النفس.

أصفر وجه الخطيب وتلعثم وبدا عليه الارتباك ثم أنهى الخطبة بسرعة ونزل للصلاة. كان الخطيب في غاية الإحراج. بدأ الصلاة، تلعثم في قراءة الفاتحة فكان يعيد الآية أكثر من مرة. بعد أن أنهي الفاتحة سكت فترة طويلة وكأنه قد نسي القرآن. أستعاد السيطرة على نفسه وبدأ يقرأ: "قل أعوذ برب الفلق."

وفجأة سمعنا تجشأة (تكريعة) عظيمة أطلقها. يبدوا أنها كانت بسبب العصبية التي انتابته وأثرت على عصارات ألمعده فأنتجت غازات خرجت علي شكل تكريعة. حاول الإمام أن يستعيد رباط جأشه فصمت قليلاً فخرجت منه بعض التكريعات الصغيرة التي تبدو مثل الهزات الأرضية الصغيرة التي تتلو الهزة الرئيسية. أكمل الخطيب القراءة "من شر ما خلق."

فانطلقت تكريعة أخرى أعظم من السابقة فارتجت لها جانبات المسجد وضخمها الميكروفون فبدت وكنها صوت بركان. حاولت أن امنع نفسي من الضحك ونجحت في ذلك، لكني عندما رمقت الصف الذي أقف فبه وجدت أني فقط وجاري اللذان نقف فيه.  يبدوا أن كثيراً من المصلين لم يتمكنوا من السيطرة على الضحك فتركوا الصلاة وخرجوا.

أنهى الإمام الصلاة وسلم. عندما سلم الرجل الذي كان أمامي و الذي كنت أريد أن أنقض عليه وأقطف رأسه رأيت وجهه، فحمدت الله أني لم أنقض عليه، لم يكن هذا الرجل غير أبي. عندما رآني خلفه قال: "أمين، تعال نشوف خالك فين. تعال عشان توصله البيت."

كان يجلس بجانبه صاحبه الحميم عمي عبد الفتاح زيتون وكان يلقب ب عبد الفتاح ألأشعل، لأن جزء من وجهه قد حرق في حريق قديم وأصبح أشعل الوجه. عندما سمع عمي عبد الفتاح ما قاله والدي قال: "أنا جاي معك يا أمين. خلينا نروح نشوف خالك فين عشان محدش يتطاول عليه.

*     *       *

تجمع الناس في المسجد ليبحثون في ما حدث من إحراج للخطيب وإهانته وهو غريب وضيف على البلدة. انقسم الناس قسمين: قسم يرى أنه كان يجب على الشيخ الكفيف المريض بالسكر ألا يأتي للصلاة فهو معذور من الله لأنه ليس على المريض أو الأعمى حرج. والفريق الآخر وهو عدد قليل، منهم والدي، وان كانوا يستنكرون إهانة الخطيب، يرون انه لا يحق لأحد منع أحد عن صلاة الجمعة وأنه يجب علي الخطيب أن يقصر الخطبة مراعاة للمرضى وأصحاب الحاجات. لكن الغالبية رفعت صوتها واستنكرت وقال أحدهم: "دي مش مشكلتنا. اللي مش قادر على الصلاة يصلي في بيته."

*     *       *

بحثت عن خالي فوجدته في حجرة الوضوء يبدوا أنه لم يستطع أن يلحق بالصلاة. كان غاضباً لما حدث. أخبرته بوجودي و ساعدته لارتداء حذاءه وخرجنا من باب الحمامات على الخارج بدون المرور بداخل المسجد. وجدت عمي عبد الفتاح ينتظرنا في الخارج فسلم عليه عمي عبد الفتاح وتأبطت يده وذهبنا إلي منزله. تكلمت مع عمي عبد الفتاح في مواضيع غير التي حدثت في المسجد حتى وصلنا إلى منزل خالي، أما خالي لم يتكلم طيلة الوقت فلقد كان في غاية الإثارة.

عرض علينا خالي الدخول فدخلنا حتى نطمئن أنه هدأ ولا نتركه في حالة الغضب هذه. جلسنا بعد أن طلب من زوجته أن تعد الشاي. أراد عمي عبد الفتاح أن يخفف عنه فقال: يا شيخ صادق ما تزعلش نفسك. الدنيا ما تستهلش."

هز خالي رأسه مؤمنا وهو يقول: "نعم، نعم."

واصل عمي عبد الفتاح كلامه: " الدنيا فانية! ما بتدمش لحد! فين أجدادنا؟ كانوا عايشين في نفس الأماكن اللي إحنا عايشين فيها. شوف هم فين دلوقتي؟"

أجاب خالي: "دول كانوا رجال. إحنا نيجي فيهم إيه؟"

تشجع عمي عبد الفتاح من تفاعل خالي معه فقال: "أجدادنا ارتاحوا. الدور علينا إحنا. يا تري مصيرنا إيه."

اكتفي خالي بهز رأسه ولم يعلق.

أكمل عمي عبد الفتاح قائلاً: هم لقيوا اللي يشيلهم ويدفنهم لكن يا ترى إحنا هنلاقي اللي هيدفنا ولا لأ؟"

ظل خالي صامتاً. أحسست كأن الكلام أعجب خالي فأردت أن أشارك فقلت: " أنا يا خال بيتهيء لي ولو الواحد مننا جه البلد دي بعد ما نموت ب 100 سنه هنلاقي ناس تانية عمرنا ماشافناهم ساكنين في نفس البيوت. يمكن يكون قاعد مكانك واحد عمرك ما شفته ولا سمعت عنه."

قال عمي عبد الفتاح: "الدنيا ملهاش أمان. الواحد يكون قاعد في أمان الله وصحته زي البمب فجأة السر الإلهي يطلع. ذي الشيخ لطفي أبو زيتون. قاعد على القهوة سقط من طوله."

لم يجب خالي بشيء ولكني لاحظت العبوس في وجهه يزداد.

أكمل عمي عبد الفتاح قائلاً: "ياترى ميعادنا أمتي؟ بعد سنه؟ بعد شهر؟ ولية يمكن الواحد يسقط ميت دلوقتي محدش عارف."

تلبد وجه خالي وقال: "إيه حكايتك يا عبد الفتاح. هو ده الكلام اللي ربنا قدرك عليه. أنت جاي لواحد سنه سبعين سنه وعمال تقول له يا تري مين هيشيلك ويدفنك؟ يا تري ساعتك قربت؟ ميعادك أمتى؟"

رد عمي عبد الفتاح قائلاً: "يا شيخ صادق أنا مش عايزك تزعل من اللي حصل في الجامع. عشان كده بأهون عليك الدنيا."

قال خالي بانفعال: "تهون علي تقوم تقولي هتموت أمتي ومين اللي هيدفنك؟ ده كلام يا عبد الفتاح؟ يا شيخ حرام عليك."

أحسست كأن عمي عبد الفتاح في موقف محرج فأردت أن أساعده فقلت: "يا خال الواحد لازم يرمي الدنيا من قلبه. الدنيا ما تساويش نِكلة." حاولت أن آتي بمقولة أو آية أو حديث عن الزهد في الدنيا لكني لم أتذكر إلا مقولة سمعتها في أحد الخطب فاستعملتها فقلت: "يا خال كفى بالمرء لقيمات يقمن صلبه."

فقال باستغراب: "بتقول إيه؟"

فقلت: "كفى بالمرء لقيمات يقمن صلبه."

قال متهكماً: "ولما أنت مقتنع أنه كفى بالمرء لقيمات يقمن صلبه، ليه لهطت 5 أرغفه وحلة سبانخ من يومين وخليت أمك تتهمها في أخوانا أهل الأرض؟" هب عمي عبد الفتاح لنجدتي فقال: " أمين حاسس أنه لازم يعيش في الدنيا كعابر سبيل."

فضرب خالي كفاً بكف وهو يقول: "عابر سبيل ياكل خمسة أرغفة وحلة سبانخ مرة واحدة. دا عابر سبيل مفجوع بقة."

أردت أن أدافع عن نفسي فقلت: " يا خال أنا كنت ساعتها جعان."

قال: " كنت جعان! وما سمعتش الحديث اللي بيقول..نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع."

عندما سمعته يقول الحديث عرفت أني قد انتصرت في المناقشة لأني أيقنت أنه قال الحديث خطأ. لذلك وثبت وأنا أقول: "يا خال أنت قلت الحديث غلط."

قال بتهكم: "أمال الصح إيه يا فضيلة العالم."

قلت: " الصح هو.. نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا نشبع. وهو ده إلي أنا عملته."

ضرب خالي كفا بكف وقال: "وإذا أكلنا نشبع؟ وإذا أكلنا نشبع؟"

فقلت بثقة: "طبعاً! هو الواحد بياكل عشان يجوع ولا بياكل عشان يشبع؟"

يبدوا أن كلامي قد أصابه في مقتل لأنه بدأ يقول وكأنه يترنح: "ناكل عشان نجوع! ناكل عشان نشبع! ناكل عشان نجوع! ناكل عشان نشبع!"

كرر هذه الجملة عدة مرات وكأنه لم يعد يدري ما يقول ثم قال فجأة: "فين العصاية؟ حد يناولني العصاية...فين العصاية؟ حد يناولني العصاية."

عندما سمعت ذلك وضعت يداي تلقائياً علي رأسي لكي أتقلى ضربة العصا التي سيوجهها إلي. نظرت إلى عمي عبد الفتاح متوسلاً ألا يعطيه العصاة وإلا سأكون أنا الضحية. فهم عمي عبد الفتاح مغزى نظراتي وطمأنني بهزة من رأسه.

رفع خالي صوته مرة أخرى وقال: " فين العصاية؟ حد يناولني العصاية."

كانت زوجة خالي قد أعدت الشاي وأتت به فلما سمعته يطلب العصا قالت: "مالك يا شيخ صادق؟ بتزعق ليه؟"

رد: "ناوليني العصاية."

قالت وهي تعطيه إياها: "العصاية جنبك أهه. عايزها ليه؟"

قال بصوت هادئ: " عشان عاوز أروح الحمام، ألنا محصور." ثم أضاف: "وصليني الحمام."

أخذته إلي الحمام، وبمجرد أن خرجت تسللنا إلى البيت هاربين. بعد أن ابتعدنا عن البيت وأصبحنا في أمان قال لي عمي عبد الفتاح: "أمين ده أسمه كلام. الحديث بقول " وإذا أكلنا لا نشبع" مش وإذا أكلنا نشبع."

قلت: "إزاي؟ دا أنا طول عمري حافظه "وإذا أكلنا نشبع."

قال باسماً : "أتاري لما بتاكل بتفتح على الرابع."

لم أفهم ماذا يعني فقلت بحسن نية: "لأ دا أنا خلصت الخامس وفتحت على السادس."

فاتسعت ابتسامته وقال: "ربنا يديك الصحة."

وصلنا إلى نقطة الطريق التي بعدها يذهب كل منا في طريق مختلف فسلمت عليه وذهب كل منا إلي بيته.

*     *       *

ذهبت إلى المنزل وقبل أن أصله تقابلت مع أبي وهو متجهاً إليه أيضا. سألني عن خالي وأحوله وكيف تركته فأخبرته بأنه كان غضبان مما حدث في المسجد ولكني لم أخبره بالمناقشات التي دارت بيننا. عندما أحس أنه ربما أن يكون خالي في حالة نفسية غير جيدة قال لي: "روح زور خالك يا أمين بعد المغرب. باين عليه لسه متأثر باللي حصل في الجامع."

قلت: "المفروض انك أنت اللي تروح تزوره."

أخبرني أنه سيفعل ذلك غداً لأنه مرتبط بموعد اليوم. وصلنا إلى البيت ودخلنا فاستقبلتنا والدتي بابتسامة عريضة وفخر كمن يقول: "ما شاء الله الولد كبر وبقى في طول أبوه."

 جلسنا على مائدة الطعام، فالوقت هو وقت الغذاء. قال والدي وهو يبتسم لأمي: "أين الدباء يا أم أمين؟"

استعجبت أمي مما قال أبي فقالت: "ديابة إيه وكلاب إيه؟

فضحك والدي وقال بلغة عربية فصيحة: "ألا تعلمون ما هو الدباء؟"

فأجبته بلغة عربية فصيحة مثله فقلت: "لا.. والذي نفسي بيده."

قال بنفس اللهجة وكأنه مدرس لغة عربية: "الدباء يا أخوة الدرب هو القرع، أو كما يقول أهل مصر..الكَوسَةُ." وفتح الكاف والسين وضم التاء المربوطة.

عندما سمعت ذلك دعوت الله أن تكون أمي قد طبخت حلة كوسة غير التي أكلتها البارحة. ولكن خاب ظني حينما قالت أمي: "مفيش كوسة."

بدت علامات القلق على وجه والدي فهو لم ينسى تجربة الأمس وقال: "مفيش كوسة؟ أنا شايفك امبارح وانتي بتطبخيها".

قالت: "في حاجة أحسن من الكوسة؟" ثم ذهبت إلى المطبخ وعادت ومعها فطير مشلتت وقشدة ووضعتها أمامه وقالت: "مش ده أحسن من الكوسة؟"

قال والدي بدهشة بادية: "الفطير كويس. لكن فين الكوسة؟ رمتيها برضه؟"

أحست والدتي أنه تختصر الطريق عليها وأقترح الإجابة فوجدت أنه من الأفضل أن توافقه عليها، لعل إحساسه بأنه عرف السبب بنفسه يخفف من حدة النقاش. لذلك أجابت: "عرفت إزاي. أيوه صحيح أنا رميتها."

قال غير مصدقاً: "ليه؟ الملح زاد المرة دي تاني؟"

للمرة الثانية تطوع بالإجابة فلم تشأ أن تعارضه هذه المرة أيضاً فقالت: "أيوه."

قال: "أنا مش قلت لك اقعدي ضيفي شوية ملح ودوقي الأكل لغاية ما يتظبط حدقه."

قالت: "عملت كده، لكن برضه طلع حادق. أعمل إيه؟"

أجاب وهو يضرب كف بكف: "تقومي ترميها. طيب خليها. نقدر نزوده شوية مية عليها و نظبط حدقها."

يبدوا أن والدتي أحست أنها قد حبست في ركن فلجأت أي سلاح بنات حواء التقليدي وهو الهجوم. لذلك قالت والدتي: "فيه إيه يا صالح. أنت ما كنتش بتبصش على الأكل قبل كده. كنت بتاكل أي حاجة. إيه اللي حصل؟ أتغيرت ليه؟ اللي يسمعك يقول إنك عمرك ما أكلت طبيخ في البيت ده. دا باين في حاجة تانية. العملية مش عملية أكل، بدأت تتغير ليه؟"

قال: "أصل دي حاجة غريبة. نطبخ الأكل ونرميه. دا يبقي حرام. دا بيت المهمل يخرب قبل بيت الظالم بأربعين سنة."

قالت وهي تشيح بوجهها تاركة المكان حاملة سبت في يدها: "هه، خليني أروح أشوف شغلي."

قال: "انت رايحة فين؟"

قالت: "سيبني أنا وراي طبيخ بكرة."

قال والدي متهكماً: " هو كان فيه طبيخ انهارده لما هيكون في طبيخ بكرة. والله ما أنا معشم أني هاكل في البيت ده طبيخ بعد كده." صمت قليلاً ثم أضاف: "طبيخ بكرة برضه ملحه هيزيد وهترميه، مش أحسن ترميه دالوقتي وما تتعبيش نفسك في الطبيخ ووجع الدماغ؟"

لم ترد على تعليقه الأخير وتركته وذهبت إلى المطبخ.

ذهبت إليها في المطبخ وقلت لها: "يا أمي ليه ما شلتيش شوية طبيخ في حلة تانية عشان أبويا؟"

يبدوا أنها أحست أني أحاول أن اتذاكى عليها فأحبت أن تعرفني أنها تفهم ألاعيبي، لذلك قالت: " ولو شلت حلة طبيخ لأبوك، هو يعني أنت كنت هتعتقها؟"

فهمت الرسالة فقررت الانسحاب.

*     *       *

ذهبت يعد المغرب إلى بيت خالي فوجدت عمي عبد الفتاح هناك مع خالي عندما دخلت هشا وبشا لي وقال خالي: "أهلاُ أمين. أنت فين يا راجل. كده تهرب الضهر قبل ما نتغدى سوا.

قلت: "نتغدى؟ أنا كنت شبعان."

قال: "باين عليك عملتها تاني وحاسة اللحس اشتغلت."

أخبرته بخبر الكوسة وكيف أن أمي تركت مشنة العيش مليئة بالخبز حتي آكل. أخبرته بما حدث بعد صلاة الجمعة ورغبة والدي في أكل الدباء وكيف أنه أصيب بالإحباط عندما أخبرته والدتي بأن ملحها زاد واضطرت لرميها. ضحك عمي عبد الفتاح و خالي حتى دمعت عيناهما ثم سألني عمي عبد الفتاح: "وهو أبوك فين دلوقتي."

رد خالي وهو ما زال يضحك: "باين عليه عمال يخبي قزايز الملح والملاحات عشان ما تشوفهاش أم أمين وترمي الطبيخ."

قلت: "أنا سبته بيلبس."

قال عمي عبد الفتاح وهو يخرج: "أكيد هو مستانيني. أحنا عندنا مشوار عند الشيخ عبد الرازق أبو شعيب. سلام عليكم"

بعد أن خرج عمي عبد الفتاح قال خالي: "لكن غريبة! أمك ليه ما تقلوش لأبوك أنك أكلت الأكل. هو ده شيء  يزعله؟"

قلت: "هي حاسة إن ما بيحسدش المال إلا أصحابه."

قال وهو يضحك: "والله المال ده هيخرب بيت أصحابه، أنا لو مني منهم أحسد المال ده وأخلص منه و أريح نفسي."

صمت برهة ثم أكمل: "لكن يا أمين مش مشنة عيش وحلة دباء كتيرة؟"

قلت: "ستي قالت لي: إن حلي لك زادك كُلُه كُلّه، ليجي يوم ما تقدرش تبصّلّه. وأنا عملت كده"

قال وهو يبتسم: "هو انت بتفرق معاك ان كنت تبصّلّه ولا لأ. يكفي أنك بس تشمه"

أكمل: "طيب فين يا عم أمين "كفى بالمرء لقيمات يقمن صلبه."

قلت: "لا خلاص، دي اتغيرت."

قال بعجب: "بقت إيه دلوقتي؟"

قلت: "بقت .. كفي بالمرء مشنات يقمن صلبه."

ضحك بصوت عال وقال :"بالنسبة لك كده مظبوط."

 

2004© إبراهيم عبد المطلب 


 
 

 


 


  
 

 


 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.
 
 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY