كان فتحى يسكن فى بيت .. ربما لم يسكن اى منا فى بيت مثله !! لانه كان بكل  بساطه .. بيتا آيلا للسقوط !! سكنه مع والديه منذ كان طفلا .. وتزوج فى نفس  البيت الذى هجره ساكنوه واحدا بعد الآخر .. تاركين فتحى و اسرته بعد رحيل ابويه  .. يتلقى وحده انذارات صاحبه فؤاد بسقوطه فوق راسه ورئوس ابنائه !! زارعا فى  نفسه الخوف من مجرد التفكير فى هذا الخاطر .. والشعور بالاسى و الذنب لتعريض  ابنائه لهذا الخطر ..

 لم يكن يسكن خواطره تلك سوى انه لم يكن بيده اى حيله للخروج من هذا البيت الذى  لم يعش فى سواه !! فامكانياته الماديه المحدوده تقف متخاذله امام ازمة اسكان  عاتيه طالت الجميع !! وفؤاد يرفض ان يعطيه ما يمكنه من شراء شقة متواضعه تضمه و  اسرته !!

 والغريب فى الامر ان فتحى فى قرارة نفسه لم يكن يلوم فؤاد على موقفه هذا !! بل  كان يرى فيه بعض الحق ويلتمس له العذر .. فهو لم يكن ثريا يمتلك عقارات عديده  تجعله يتناسى هذا العقار !! بل انه كان مجرد وارثا للبيت المتهالك عن والديه  دون اى شئ آخر .. وكان مما يثير دهشة سكان الحاره الضيقه التى يسكنها فتحى ان  يروه جالسا على القهوه فى ساعات الصفاء مع فؤاد يحتسون الشاى ويتبادلون النكات  !! وقد تفلت من فؤاد بعض آماله الدفينه دون قصد .. فيحدث فتحى عن مشروعاته التى  ينوى ان يبداها عندما يتسلم الارض بعد انهيار البيت !!! كان فتحى حين يسمع هذه  الآمال يبتسم صامتا ولا يعلق .. بينما يدرك فؤاد اى وتر حساس لمسه لدى فتحى  فيغير مجرى الحديث .. كان فتحى يدرك ان آمال فؤاد تتعلق بالبيت مثلما تتعلق  آماله هو به .. ولكن من زاوية مختلفه .. وربما كان يشفق عليه تاجيل احلامه بل  وحياته كلها فى انتظار سقوط البيت !!

 كان يشعر ان كلا منهما له سجنه الخاص الذى ينتظر الخلاص منه .. فخطواته فى شقته  محسوبه ومعدوده عليه ‍‍‍‍!! ابناؤه يتحركون بحساب لاحساسهم باهتزاز الارض تحت  اقدامهم مع كل خطوه !! يرفض استقبال ضيوف من زمن بعيد حتى لا يحدث ما لا تحمد  عقباه !! حتى نوافذ بيته لا يفتحها او يغلقها الا بحساب وحذر !! كان يشعر انه  يختنق حيا يوما بعد يوم .. دون امل قريب فى الخلاص .. بينما كان فؤاد سجين  انتظاره لقرار من المحافظ بهدم البيت الآيل للسقوط !! كان يشعر ان حياته  بالكامل تختبئ خلف اشارة من المحافظ بالهدم وتعده ان تبدا بعد صدور ذلك القرار 
..

 وحين قبل فتحى دعوة قريب له للافطار فى احد ايام رمضان .. لم يكن يدرك انه خرج  من بيت .. لن يعود اليه مرة اخرى .. فيبدو انه حتى ذلك البيت الاصم كان يطالب  بحريته هو الآخر .. فانتظر خروج فتحى واسرته ليعلن انهياره واستسلامه للزمن ..  تاركا فتحى و اسرته لمصير مجهول لا يعلمه الا الله .. وحين وصل فتحى الى بيته  ذلك المساء ليجد اهل حارته يقفون امام ركامه يضربون كفا بكف .. ووسطهم يقف فؤاد  .. لم يستطع ان يرفع عينيه الى احد .. لم يكن يدرى ما الذى يشعر به حقا فى هذه  اللحظه؟ هل يشعر بالراحه بعد ان عاش عمرا كاملا قلقا خائفا فى بيت يهتز تحت كل  خطوه من خطواته !! وكيف يشعر بالراحه واسرته تواجه التشرد و الضياع !!

 وحتى حين ذهب بعد بضعة ايام ليلقى نظره اخيره على حطام البيت .. وليبحث عن بعض  متعلقاته الشخصيه و اسرته بين ذلك الحطام .. التقى بفؤاد واقفا هو الآخر امام  الحطام وفى عينيه نظرة حزينه .. إذ يبدو انه لم يكن مستعدا لتحقق احلامه فجاة  على هذا النحو .. ويبدو انه قد الف التعايش مع حالة الامل الطويله التى عاش  فيها وحين تحقق امله فجاه لم يدر ما الذى يفعله !! وحين عرض عليه فؤاد المساعده  ابتسم فتحى شاكرا العرض المخلص .. تاركا فؤاد يقف وحيدا دون ان يجيب عن سؤاله  "ماذا انت فاعل؟" سوى بابتسامة حائره !! ليغادر الحاره بخطى متثاقله .. غاب بها  عن عينى فؤاد الى الابد ..

   


©  Mona Ma7moud  2004


 
 

 


 

 


 
 
 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.

TO MAIN PAGE

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY