|
رفع جمال
راسه قليلا
يتامل نتيجة
عمله .. كان قد
بدا العمل فى
صورة لاحدى
زبائنه فقد
كان يعمل
مصورا
فوتوغرافيا
يمتلك
استوديو بسيط
فى حى شعبى ..
كان غارقا فى
العمل بعد ان
ادار شريطا
قديما
لموسيقاه
المفضله .. فقد
كان جمال يحب
ان يسمع عزف
الناى الغارق
فى الشجن و
العذوبه
.. خاصة ان
الجو الذى
يعمل فيه فى
غرفة مظلمه
يعطيه الفرصة
ان يستمتع
بهذه
الموسيقى
بعيدا عن
ضجيج حارته ..
كما ان تاخر
الوقت يعطيه
فرصة اكبر فى
التركيز الذى
ينشده ..
الا ان
متعته لم تدم ..
فقد سمع طرقا
قويا على باب
الاستوديو
جعله ينتفض
فى البدايه
من المفاجاه !!
وهز راسه فى
ضيق متوقعا
من القادم ..
وقد حاول
بالفعل ان
يتجاهل طرقات
ضيفه الثقيله
الا ان اصرار
الطارق لم
يدع له فرصه
لمواصلة
التجاهل ..
وحين خرج
من غرفته
المظلمه الى
نور شقته
العادى اضطر
ان يغمض
عينيه لحظات
بعد ان
اعتادت عيناه
على ظلام
غرفة التحميض
.. وتاكدت
ظنونه حين
راى ضيفه
الذى لم يكن
سوى ابن عمه
عبد المهيمن !!
رحب جمال
بضيفه فى
فتور لم
يلحظه الضيف
الذى تملا
وجهه ابتسامة
عريضه وهو
يدخل بلهفة
الى
الاستوديو ..
كان من
الواضح ان
الضيف قد
اعتاد على
القدوم فى اى
وقت اذ انه
وجد لنفسه
مقعدا اتخذه
فى بساطه
وهو يسال
جمال سؤال
يبدو غير ذى
معنى قائلا : "هل
قاطعت عملك" !!
ولم ينتظر
الضيف ردا
فقد ادار
بصره فى
الحائط
الذى يمتلئ
بالصور امامه
..
كان
الاستوديو
كسائر
الاستوديوهات
ممتلئ
الجدران بصور
التقطها جمال
لزبائنه
المختلفين ..
فهذه صوره
لعروسين
سعيدين يتذكر
جمال عراكهما
ليلة الزفاف
فى معمله لان
العروسه كانت
تبدو اطول
قليلا من
العريس بسبب
طريقة
التصفيف التى
اختارتها
لشعرها !! وتلك
صورة لامراة
عجوز يبرز
على ذقنها
وشم واضح
تحتاج صوره
لجواز سفرها
لتحج لاول
مره !! وصوره
لطفل مبتسم
فى ثياب
الضباط
التقطها جمال
قبيل العيد ..
وغيرها من
الصور التى
تبرز براعة
جمال فى عمله ..
وكثيرا ما
اثارت
اختيارات
جمال للصور
التى يعلقها
على حائطه
سخرية عبد
المهيمن !! فقد
كان يرى انه
من الافضل ان
يمتلئ الحائط بصور
جميلات
الحاره
اللائى
يصورهن جمال
فهذه افضل
طريقه لجذب
الزبائن !!
خاصة الفتيات
!! اما تلك
الصور التى
يراها على
الحائط فلم
تكن تتمتع
بالجمال
الكافى !! وكان
دائما ما
يقول له :
"ينبغى
لك ان تحيط
نفسك بالوجوه
الجميله على
تلك الحوائط ..
بدلا من
تلك الصور
التى تتمسك
بها ولا
تغيرها الا
لتستبدلها
بصور اكثر
غرابه !! تلك
الجدران تحيط
بك ليل نهار
ومن حقك على
نفسك ان
تملاها جمالا
يا جمال !!"
وللحق فان
صورة واحده
من الصور
المعلقه على
الحائط كانت
تثير اعجاب
عبد المهيمن !!
ولعلها كانت
السبب الدائم
لزياراته تلك
!! فقد كانت
صورة التقطها
جمال منذ
عامين لاحدى
الفتيات ..
وكثيرا ما
حملق عبد
المهيمن فى
الصوره
باعجاب ينتهى
بتنهيدة حاره
ليلتفت بعدها
الى جمال و
يساله السؤال
الذى يعرفه
جمال من قبل
ان يسمعه :
"الا
تعرف اين
تسكن هذه
الفتاه يا
جمال؟" ليهز
جمال راسه
نفيا كما
اعتاد !! كان
عبد المهيمن
قد تعلق بتلك
الصوره الى
الدرجه التى
دفعت جمال ان
يطلق عليه
اسما حركيا
هو هايم !! وكان
يضحك فى نفسه
من المفارقه
بين اسم عبد
المهيمن
الحقيقى
واسمه الجديد
!! ولم يكن هايم
يضيق بهذا
الاسم بل كان
يسعد به
كثيرا ويفتل
شاربه ويهتز
طربا و زهوا
كلما ناداه
جمال بهذا
الاسم!!
والغريب
فى الامر ان
جمال كان قد
فكر ان يعطى
لهايم نسخة
من تلك
الصوره حتى
يرحم نفسه من
هذه الزيارات
المتكرره
خاصة ان
بعضها كان
يحدث وقت
وجود زبائن
مما كان يسبب
له حرجا معهم
بسبب تعليقات
هايم الحاره
على الصوره و
صاحبتها !!
ورغم ان
اعطاء الصوره
لهايم كان
يتعارض بشده
مع قناعات
جمال
الاخلاقيه
الا انه لجا
لهذا العرض
بعد ان بلغ
الولع بهايم
مبلغا كبيرا !!
وكان الاغرب
ان هايم رفض
العرض !! فقد
كانت الصوره
مكبره اروع و
اجمل فى نظره
من اى صورة
اخرى يحتفظ
بها
فى جيبه
وقد تبلى او
تتمزق او حتى
تضيع منه !! كان
دائما ما
يقول لجمال
معللا رفضه :
"هذه
الصوره
مكانها
الصحيح
هنا على هذا
الجدار .. لتضئ
عتمة الصور
الاخرى التى
تزينه بها !!"
وربما لم
تكن هذه
التعليقات
على
اختياراته فى
الصور هى ما
يثير ضيق
جمال .. بل كان
الحوار الذى
يلى هذه
المقدمه .. كان
هايم يواصل
التحديق فى
الصوره ليرسم
بخياله ما
الذى جرى
لصاحبتها ..
فلابد انها
ازدادت جمالا
مع السنين ..
ومن المؤكد
ان بشرتها
الجميله قد
زادت توردا !!
ترى هل ستاتى
مره اخرى
ليحقق حلمه
فى الحديث
اليها؟ ترى
هل ترضى به
زوجا !! ثم يميل
راسه على خده
ليواصل الحلم
و الحديث
الذى لا
ينقطع عن
الصورة و
صاحبتها !!
كثيرا ما
ساله هايم عن
سر اختياره
لهذه الصوره
على خلاف
عهده به فى
اختيار الصور
القبيحه ..
فيهز جمال
راسه قائلا
انه يرى تلك
الصور بنظرة
اخرى .. وحتى
صورة تلك
الفتاه لم
يخترها لما
يراه بها
هايم من
حسن .. فهى فى
رايه ليست
فائقة الجمال
.. وانما ما
دفعه لاختيار
صورتها هو
النظرة التى
تنبعث من
عينيها !! فهى
فتاه قد
يؤهلها شكلها
ان تزهو
وتتيه ولكن
الفقر يبدو
اقوى من اى
حسن خارجى
فطبع على
وجهها هذه
النظره
المنكسره !!
حتى انه حين
كان يلتقط
لها تلك
الصوره
استغرق وقتا
لاقناعها ان
ترسم تلك
الابتسامة
الباديه على
وجهها .. كان
هذا التناقض
هو الذى دفعه
لاختيار
صورتها مع
باقى صور
الجدران !! فقد
كان يتعامل
مع زبائنه
برفق و حنو ..
كثيرا ما راى
فى اعينهم
ترددا واضحا
امام عدسة
الكاميرا ..
تردد لا يدرى
سببه .. هل هو
الخجل !! ام هو
الخوف ان
تكشف
الكاميرا
احساسا او
تعبيرا لم
يرد له صاحبه
ان ينكشف !! لم
يكن السبب
يعنيه كثيرا
فى الواقع ..
كان كل ما
يعنيه ان
تعبر صوره عن
احساسه
بزبائنه وليس
مجرد شكلهم
المالوف الذى
يراه الآخرون
..
وفى
المرات
القليله التى
صرح فيها
بهذا لهايم
كان الاخير
لا يرحمه من
السخرية
اللاذعه ..
فيتساءل
ضاحكا لم لم
يعمل جمال
رساما بدلا
من مهنته تلك ..
فيحول
القبيحات الى
حسناوات
ويجنى من
وراء ذلك
ارباحا طائله
!! وفى الحقيقه
فان هذا كان
من احلام
جمال التى
وارتها
الايام .. كان
يحلم ان تكون
تلك مهنته
حقا فيرسم
الاشياء و
الاشخاص كما
يراها هو
وليس كما
تبدو للعيان
ولكن رقة
حاله لم
تمكنه من
تحقيق ذلك
الحلم .. الا ان
مهنته تلك
كانت تشبع
جزءا من ذلك
الحلم القديم
..
حتى جاء
يوم قرر فيه
هايم ان يزور
جمال خلال
وقت عمله على
غير المعتاد ..
وكان جمال قد
انتهى لتوه
من تصوير
فتاه صغيره
تستعد
للالتحاق
بالجامعه ..
وكعادة هايم
فى مقارنة كل
الفتيات مع
صاحبة الصوره
و الانتصار
للاخيره لم
يدع الفرصه
تفوته ليبدى
رايه فى
الفتاة
الصغيره ..
سائلا جمال
فى الوقت
ذاته عن امر
لم يتنبه له
لفترة طويله ..
اذ قال له :
لاحظت ان
معظم الصور
على الجدران
لنساء او
فتيات !! ورغم
انهن غير
جميلات الا
ان لهذا معنى ..
اليس كذلك؟
وانهى عبارته
تلك بابتسامة
خبيثه اضحكت
جمال الذى ما
لبث ان اجاب
فى بساطه
موضحا انه
يرى وجه
المراه اكثر
تعبيرا من
وجه الرجل ..
ورغم انها فى
بعض الاحيان
تبرع فى
اخفاء ما
تريده من
تعبيرات الا
ان وجهها
اكثر تعبيرا ..
فالامر ليس
كما يتصور
هايم !! وبينما
جمال منهمك
فى الحديث
الى هيام
دخلت امراة
ممتلئة
القوام تطلب
تصوير طفلا
صغيرا لا
يتجاوز عمره
العام .. وربما
كان طلبها
هذا روتينيا
اعتاد عليه
جمال ولكن
الذى لفت
نظره كان تلك
النظره التى
بدت على وجه
هايم وهو
يحدق فى
المراه !!
كانت
نظره يختلط
فيها الفزع
بالدهشة و
الالم فى
صوره لم
يستطع جمال
ان يتجاهلها
فحول نظره
الي المراة
وما لبث ان
تعرف عليها !!
فقد كانت
صاحبة الصوره
التى رافقت
خيال ابن عمه
لعامين
او اكثر .. حقا
تغيرت كما
توقع هو ولكن
ليس كما تخيل ..
فقد زاد
وزنها وصارت
اما تحمل ذلك
الطفل الصغير
الذى تطلب
تصويره !! نقل
جمال بصره
بين هايم
وبين المراة
التى ترتسم
على وجهها
امارات
الحيره لذلك
الصمت الذى
هبط فجاة على
المكان وهو
لا يدرى ماذا
يقول .. ثم دفع
نفسه دفعا
لحجرة
التصوير
مرحبا
بالزبونه
كعادته مع
زبائنه تاركا
هايم مع
صدمته !!وحين
غادرت "سماح"
المكان كان
هايم لايزال
غارقا فى
صمته !! كان
المدهش هذه
المره ان
يعرف جمال
منها اين
تسكن ومن
تزوجت و
معلومات اخرى
كثيره كان
يحلم
بمعرفتها ابن
عمه حتى
الامس القريب
.. حاول جمال ان
يخرجه من
صمته مازحا
بانههذه
المره يعرف
عنوان صاحبة
الصوره
وباستطاعتهما
ان يتقدما
لخطبتها من
الغد اذا شاء !!
واخيرا تحرك
هايم مغادرا
المكان واعدا
بزيارة اخرى
فى اليوم
التالى ..ورغم
ان جمال لم
يثق فى وعد
هايم بهذه
الزياره واعد
نفسه ان
يزوره ليطمئن
على حالته
بعد صدمة
الامس الا
انه فوجئ به
يفى بوعده فى
اليوم التالى
وياتى كما
وعد .. لم يحاول
هايم ان
يتحدث فى
الامر بل كان
يبدو وكان
شيئا لم يحدث
بالامس .. بل
انه حين رفع
نظره الى
مكان الصوره
التى رفعها
جمال حرصا
على مشاعره
لم يلق اى
تعليق .. وحين
ببدا المذياع
يبث مسلسلا
اذاعيا جديدا
ترك جمال ابن
عمه لبعض
الوقت لينهى
عمله .. وحين
عاد اليه
كانت ترتسم
فى عينيه
نظرة عجيبه !!
وقبل ان ينطق
كان هايم
يساله متحمسا
: هل تعرف
الممثله التى
تقوم بدور
البطولة فى
هذا المسلسل؟
لها صوت حنون
دافئ .. لا ريب
انها فائقة
الجمال .. ما
اسمها يا ترى؟
واغلق جمال
المذياع
تماما ليغرق
فى بحر
الاسئلة من
جديد !!
|